القتل والمجازر، كأهم سمات الكيان الصهيوني

08 شباط 2021 - 12:47 - الإثنين 08 شباط 2021, 12:47:23

مجزرة دير ياسين.. قال عنها قادة العدو الصهيوني لولا دير ياسين لما قامت "إسرائيل"
مجزرة دير ياسين.. قال عنها قادة العدو الصهيوني لولا دير ياسين لما قامت "إسرائيل"

بقلم: راغدة عسيران

في الآونة الأخيرة، شهدت الأرض الفلسطينية المحتلة تصعيدا خطيرا للقتل والجرائم التي يرتكبها العدو ومستوطنوه بحق الفلسطينيين. في الداخل المحتل عام 1948 تفشت عمليات القتل المدعومة من الأجهزة الأمنية الصهيونية (شرطة ومخابرات) في المدن والبلدات، في الوقت الذي تعتقل فيه الشرطة وتضرب وتسحل المتظاهرين الفلسطينيين السلميين المحتجين على تورطها في الجريمة.

في الضفة الغربية ومدينة القدس، يقتل المستوطنون في جيش العدو وخارجه الفلسطينيين ويعتقلونهم، يغزون قراهم ويدمّرون منازلهم ويتلفون مزروعاتهم. وفي قطاع غزة، يواصل العدو جريمة الحصار، فيمنع تارة إدخال المواد اللازمة لإجراء فحوصات كورونا، ويمنع تارة أخرى إدخال اللقاحات ضد هذه الجائحة.

وفي السجون الصهيونية، صعّد العدو الاقتحامات والضرب بحق الأسرى، بينما يساهم، من خلال سجاّنيه، في تفشي الجائحة بين الأسرى، ليقتل بطريقة غير مباشرة أكبر عدد منهم. وخارج فلسطين، يهدّد ويقصف ويقتل في ظلّ صمت دولي متواطئ.

في أحدى دراساته الخاصة بالقضية الفلسطينية والنكبة، يميّز المؤرخ باتريك وولف بين عمليات الاستيطان البشري في كل من استراليا وأميركا وفلسطين، بالقول: إن المستوطنين الصهاينة في فلسطين لم يرتكبوا المجازر قبل النكبة (1947-1949)، خلافا للمستوطنين البيض الذين شنوا هجومات دامية على الشعوب الأصلية عند وصولهم لسرقة أراضيهم، لأن الصهاينة استغلوا القوانين الخاصة بالأرض واشتروا مساحات منها، بحماية ومساعدة الدول الإمبريالية (بريطانيا)، وبأموال رصدتها الحركة الصهيونية العالمية من جهات متعددة (شخصيات وشركات).

يركز الباحث على النكبة كونها تؤسس للمجازر اللاحقة ولعملية طرد السكان الأصليين، الفلسطينيين، أي أن الدولة الصهيونية التي تأسست بعد وخلال النكبة تحمل في تكوينها سمة الجريمة والعنف الاستيطاني وتهجير أهل البلاد، في حين أنهى المستعمرون المستوطنون الآخرون مجازرهم بحق الشعوب الأصلية بعد تأسيس دولتهم على الأراضي المنهوبة والاعتراف بها.

لا ينفي المؤرخ الجرائم الاستيطانية التي حصلت في تلك الدول الحديثة بعد استكمال نهب الأرض ولا كونها دول امبريالية تبحث عن مصالحها وتشنّ حروبا خارجية، ولا حدوث جرائم ضد الفلسطينيين قبل النكبة وهي كثيرة، ولكنه يعتبر أن زرع الكيان الصهيوني في فلسطين، على حساب الشعب الفلسطيني، أسس لمسيرة عنف ومجازر ونهب لم تنته بعد، تهدف الى طرد السكان الأصليين والإحلال مكانهم ومنعهم من العودة الى وطنهم.

والسمة الأخرى لهذا الكيان الدموي، هو أنه مرتبط عالميا بقوى ودول متعددة، ساندته سابقا قبل إقامته، وتسانده اليوم بالمال والسلاح والعلاقات العامة والإعلام، في حين لم يحظ المستوطنون في القارات الأخرى، قبل تكوين دولتهم، إلا على دعم دولتهم الأصلية أو بعض المستثمرين فيها، ما جعلهم يستندون على العنف الإستعماري لسرقة الأراضي. تؤسس هذه الخصوصية الصهيونية لكونه الممثل، في منطقتنا العربية والإسلامية، لكل قوى الاستكبار العالمي، من الناحية السياسية والأمنية والإعلامية والأخلاقية.

فهو ليس كيانا معزولا، بل يستمدّ عنفه من دعم الامبريالية العالمية وشركاتها وبنوكها وإعلامها ومنظماتها له، ما يفسّر نوعا ما صمت ما يشكّل اليوم المجتمع الدولي على جرائمه.

السمة الثالثة التي لم يذكرها الباحث هي التقدّم التكنولوجي الذي يستفيد منه الكيان الى أقصى حد لارتكاب جرائمه ضد شعوب المنطقة العربية والإسلامية. منذ بداية الاستيطان في أواخر القرن التاسع عشر، استفاد المستوطنون الصهاينة من أحدث التكنولوجيا الغربية لتطوير اقتصادهم الذي كان يعني بالمقابل تدمير الاقتصاد الفلسطيني، ثم لارتكاب المجازر خلال النكبة، ومن بعدها لتطوير الأجهزة الأمنية والتقنيات لمراقبة الفلسطينيين الذين بقوا متمسكين في أرضهم ووطنهم، ومن ثم ارتكاب المجازر المتتالية بحق إهل فلسطين والجوار. وأصبحت كل مجزرة، مع تطوّر التكنولوجيا، أفظع وأشد دموية من سابقاتها.

أسست النكبة لعملية نهب الأرض، في كافة مناطق فلسطين، حيث أصبح الكيان المعترف بهٍ من قبل الأمم المتحدة على أنقاض فلسطين يصادر ويسرق، مستغلا قوانين سابقة لوجوده، من أجل بناء وتوسيع مستوطناته واستقدام اليهود من دول أخرى، بالحيلة وقوة المال (تدمير تنوّع المجتمعات في العالم)، لإحلالهم مكان الفلسطينيين. بعد أكثر من سبعين عاما على النكبة، ارتكبت عصاباته الشرعية وغير الشرعية (بالنسبة له) العشرات من المجازر، في كافة أنحاء فلسطين ولاحقت اللاجئين في مخيمات اللجوء في الدول المجاورة، للقضاء على حق عودتهم الى وطنهم.

تصاعد العنف والجريمة والإرهاب ضد الفلسطينيين في كيان الاحتلال، خلافا للاستيطان البشري في المناطق الأخرى من العالم، ضد الشعوب الأصلية، لا يعني كما تصوره البعض، "أن الاستعمار الاستيطاني وجِد ليبقى" في فلسطين، كما بقي في المناطق الأخرى في العالم (أستراليا والولايات المتحدة بالتحديد)، بسبب استمرارية وحشيته منذ النكبة، أي أنه لم يحاول تسوية، كما فعل الآخرون، صراعه مع الشعب الأصلي، من ناحية، ومن ناحية أخرى، كونه يمثل الاستكبار العالمي في منطقتنا بعلاقاته المتشعبة مع المنظومة الرأسمالية المتوحشة في العالم يضعه في موقع مرفوض شعبيا وهدفا للمقاومة في المنطقة، كما هو هدف المقاومة الفلسطينية.

هنا تكمن الإجابة على من اعتبر أن بقاء المستعمرين الاستيطانيين في فلسطين حتمي، كالاستعمار الاستيطاني في الدول الأخرى، ومن نظّر لحلّ "الدولة الواحدة" الجامعة "للشعبين" مع التخلّص من الصهيونية والمقاومة الفلسطينية المسلّحة و"الحلّ القومي العربي" و"النموذج الجزائري". ذلك لأن هذا الكيان الاستعماري الاستيطاني المزروع في منطقتنا العربية والإسلامية جذّر فكرة المقاومة، ليس فقط ضد وجوده ووجود مستوطنيه اليهود في فلسطين، بل ضد الهيمنة الأجنبية في المنطقة التي يمثّلها، وتفرعاتها في البلدان الأخرى.

تدلّ موجة التطبيع الأخيرة بين دول عربية والكيان الاستيطاني، برعاية نشطة أميركية وترحيب أوروبي واسع، على أن الصراع بين قوى التحرر من الهيمنة والقوى المهيمنة على العالم، بالمال والشركات والمؤسسات والإعلام والايديولوجيا، بات أكثر وضوحا، رغم التعتيم الإعلامي والأكاديمي، وذلك بفضل المقاومة المسلّحة الفلسطينية والعربية والمقاومين الذين ضحّوا ويضحون يوميا على طريق تحرير فلسطين، نقطة الصراع المركزية.

التنظير لبقاء المستوطنين والتعايش معهم في "دولة واحدة ديمقراطية"، كما حصل في دول استعمارية استيطانية أخرى في العالم، ينبع من منطق الهزيمة أولا، وليس من منطق أخلاقي (حب البشر والنظر الى تاريخ اليهود في أوروبا)، كما تروّج له بعض الأوساط العربية المتغرّبة، التي أزاحت التاريخ والجغرافيا والعقيدة الراسخة في أبناء الأمة، لبث أفكارها، خاصة أنها تنكر ثانيا وجود المقاومة المسلّحة وفعاليتها ودورها في إبقاء الصراع مفتوحا بعد قرن من الزمن.

انشر عبر
المزيد