/مقالات/ عرض الخبر

خرائطُ الهيمنة لا تعترفُ بالمسافات: غزّة ولبنان وڤنزويلا في مرمى مشروعٍ واحد

2026/01/05 الساعة 12:00 م

أسماء بزيع

لا أحد يستيقظ في غزّة وهو يفكّر بڤنزويلا، ولا عاملٌ في كراكاس يخطر في باله جنوب لبنان. ومع ذلك، حين ننزع العناوين من الأخبار، ونُسقِط الضجيج الإعلامي، نكتشف أنّ النار التي تحرق هنا، هي نفسها التي تُشعل هناك، وأن اليد التي تُحاصِر، لا يهمّها من أيّ قارة تبدأ. المسألة ليست قربًا ولا بعدًا، بل موقعًا على طاولة الصراع.

في هذا العالم، لا تُقاس الدول بعدد سكانها ولا بجغرافيتها، بل بسؤال واحد: هل هي طيّعة أم مزعجة؟ ڤنزويلا، غزّة، لبنان… ثلاث تسميات مختلفة لمشكلة واحدة في عقل الهيمنة: دول أو كيانات ترفض أن تُدار بـ"الريموت كونترول" الأميركي، فتُدرَج تلقائيًا في خانة "يجب إخضاعها".

من هنا، يصبح الربط بينها ضرورة تحليلية لا ترفًا فكريًا. فالمخططات التي تُرسم في واشنطن لا تُفصَّل على مقاس منطقة واحدة، بل تُعمَّم، تُختبَر في مكان، ثم تُصدَّر إلى مكان آخر. ما تغيّر هو الأسلوب، لا الهدف. وما اختلف هو الغلاف، لا المضمون. وحين نربط ڤنزويلا بغزّة ولبنان، لا نفعل ذلك من باب البلاغة ولا بحثًا عن صورة جذّابة، بل لأن الوقائع تفرض هذا الربط. ثلاث ساحات تبدو متباعدة على الخريطة، لكنها وُضعت عمليًا على خط استهداف واحد. لا يجمعها تاريخ مشترك ولا ثقافة واحدة، بل شيء أبسط وأخطر: أنها جميعًا تقف في وجه مشروع لا يقبل بالشركاء، بل بالمناطق الخاضعة.

ڤنزويلا، كما يُحبّ الإعلام تقديمها، دولة لاتينية بعيدة عن الشرق الأوسط. لكن في حسابات الصراع الحقيقي، هي أقرب مما نتصوّر. بلد يملك نفطًا هائلًا، وقرارًا سياسيًا قرّر أن لا يمرّ عبر واشنطن، وعلاقات مفتوحة مع خصومها الكبار. هذا وحده كافٍ ليحوّلها من "دولة ذات سيادة" إلى "مشكلة يجب حلّها". لا لأن نظامها مثالي، بل لأنه غير مطواع.

من هنا، لا تعود العلاقة بين ڤنزويلا والشرق الأوسط علاقة جغرافيا، بل وظيفة. الشرق الأوسط هو مركز الطاقة، وڤنزويلا مخزونها الاحتياطي الثقيل. السيطرة على أحدهما دون الآخر تبقى ناقصة. لذلك تُستخدم الأدوات نفسها: خنق اقتصادي، عقوبات طويلة النفس، ضرب للعملة، وتشويه ممنهج يُقدَّم للرأي العام على أنه دفاع عن الحرية، بينما هو في جوهره محاولة كسر قرار.

في هذا الإطار، يصبح ما جرى مع رئيس ڤنزويلا أقرب إلى عملية اختطاف سياسي مكتملة الأركان. ليس بالمعنى الأمني التقليدي، بل بمعناه الأخطر: سحب الشرعية، مصادرة التمثيل، وفرض بدائل من الخارج. الرسالة لم تكن موجّهة لكراكاس وحدها، بل لكل من يراقب: الشرعية لا تحميك إن لم تكن منضبطًا ضمن المنظومة.

هذا النوع من "الاختطاف" هو أحد أدوات الاشتباك الجديدة. لا يحتاج إلى جيوش، بل إلى ضغط متراكم، وإلى إعلام يواكب العملية ويمنحها غطاءً أخلاقيًا زائفًا. وهو بالضبط ما يجعل صداه يصل إلى الشرق الأوسط. فغزّة تفهم الرسالة وهي تحت القصف، ولبنان يختبرها وهو يُدفَع نحو الانهيار، وإيران تقرأها بوصفها نموذجًا لما يُراد لها إن بقيت خارج الطوق.

والأحداث لا تُضخَّم إعلاميًا عبثًا. التضخيم جزء من المعركة. إظهار أميركا في موقع المتفوّق ليس توصيفًا للواقع بقدر ما هو محاولة لصناعته. الهدف ليس فقط إخضاع الأنظمة، بل إقناع الشعوب بأن المقاومة بلا جدوى، وأن الخروج عن الخط مكلف أكثر مما يحتمل أي بلد.

ومن هنا، يصبح الربط مع إيران منطقيًا لا افتراضيًا. ما يحدث في ڤنزويلا ليس ملفًا مستقلًا، وما يجري في غزّة ليس انفجارًا معزولًا، وما يُفرض على لبنان ليس نتيجة سوء إدارة فقط. هذه مسارات متوازية في مشروع واحد طويل النفس، يعرف أن ضرب المركز يمرّ أولًا عبر إنهاك الأطراف وتفكيك الحلقات الداعمة.

في النهاية، ليست ڤنزويلا وغزّة ولبنان نقاطًا متفرقة على خريطة مضطربة، بل ساحات اختبار في صراع واحد على شكل العالم المقبل. خرائط الهيمنة قد لا تعترف بالمسافات، لكنها كثيرًا ما تُخطئ في تقدير شيء واحد: أن الشعوب، حين تفهم اللعبة، لا تبقى مجرّد جغرافيا قابلة للكسر.

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/222737

اقرأ أيضا