/منوعات/ عرض الخبر

من آيات الجهاد في القرآن الكريم.. كتب: الشيخ جمال الدين شبيب

2014/03/03 الساعة 01:07 م

يذكّرنا ربنا عزّ وجلّ دوماً بالدعوة إلى الجهاد ويحذرنا من التثاقل إلى الأرض ومتاع الدنيا، إذ يقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى اْلأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي اْلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(التوبة:38-39).
أي أفيقوا وبلّغوا كلمة الحق، ودَعوا جانباً متع الحياة الدنيا وشهواتها الحيوانية والجسدية. في سبيل إعلاء كلمة الله في الآفاق ما لكم تتثاقلون إلى الأرض ولا تنفكون عنها وعن مطامعكم الشخصية وترضون بهذه الحياة الدنيا وتنبهرون أمامها. أرَضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ أوَ أشفقتم على الحياة الدنيا التي لا تُغني شيئاً.
سيزول ويأفل كل ما حولكم من شباب وصحة ومال وثروات، فليس في وسعكم الاحتفاظ بها، وستنطلق الحسرات والزفرات من أرواحكم وأنتم تتباعدون عنها. والحال تنتظركم العُقبى وديار الأبَدية والخلود، فلا زوال لنعيمها ولا نفاد للَذائذها.
قال تعالى:﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾(التوبة:42).
بمعنى أن لو كان ما يُدعون إليه فيه ما ينتفعون به من غنيمة قريبة، ومن سفر قريب فيه الراحة والدعة، لاتّبعوك ولَجاءوا معك دون شك ولا شبهة. ولكن الأمر خلاف هواهم ورغباتهم. فلا منافع مادية قط فيما يقصدون إليه، ولا مناصب ولا جاه يغنمونها من هناك، فضلا عن أن الطريق طويل جدًّا.
 لذا سيفترق المؤمن عن المنافق هنا افتراقا تامًّا. وبينما المؤمنون يتبعونك من دون تردد يسعى المنافقون ليجدوا طرقاً للهروب ووسائل للتخلّف، ولا يجدونها إلاّ في الكذب، وبهذا يهلكون أنفسهم. حيث لا عائق أمامهم عن الجهاد كما يعلمه ويعرفه وِجدانهم. والأعذار التي ساقوها ما هي إلاّ لخداع أنفسهم. ولهذا يظل وجدانهم في قلق واضطراب. وقريبٌ هلاكُ مَن لا راحة لوجدانه.
إن معرفة الجو الذي كان يسود المدينة المنورة قبل غزوة "تبوك" لهأهميته لمعرفة أبعاد المسألة. رجع المؤمنون توّاً من سفر، وكانوا بحاجة إلى أخذ قسط من الراحة للتأهب لسفر جديد. وقد حان وقت حصاد الثمار. والجو شديد الحر. في هذا الوقت بالذات دعا الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنين إلى السفر.
استجاب المؤمنون بما لديهم من غال ونفيس لهذه الدعوة. فأتى سيدنا أبو بكر بكل ماله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. وخص سيدنا عمر الفاروق نصف ماله لهذا الغرض. وما بذله سيدنا عثمان لا حد له. أما سيدنا علي فقد أعطى قسماً من ماله سرًّا وآخر علانية وفق إدراكه الخاص للإخلاص. ودفع سائر المؤمنين ما يملكون كل حسب استطاعته. فدخل الجميع في سباق للبذل والإنفاق والمنافسة في الخير بآخر ما يملكونه. والنساء اشتركن أيضا في هذه المسابقة للخير حتى امتلأت حجرة أمّنا عائشة رضي الله عنها بحاجات نسائية. إذ قدّمن ما يملكن من حليّ؛ فمنهن من نـزعن قلادتهن وأسوارهن وأقراطهن وقدمنها لهذا الخير العظيم. وهكذا كانت إجابة المؤمنين لدعوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
أما المنافقون فكانوا يشترطون لإجابة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بألاّ يكون السفر طويلا ولا الجو حارًّا، ولا يكون في موسم الحصاد.
ومنهم من يأتي باقتراح آخر فيستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان "جَدّ بن قيس" من هؤلاء... كان يسرع إلى الصلاة بمجرد سماعه الأذان، ولكنه لم يتمكن من غرْز الإيمان في أعماق قلبه، وتحويله إلى إذعان، ولم يترفع عن أهواء نفسه. فعجز عن أن يعزم على الانخراط مع المضحّين…
 أتى إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وكان الرسول يعالج فرسه بيده الشريفة، وعندما شاهد قَيساً قال: حتى أنت لا تأت معنا؟ إذ لم يكن ممن يُنتظر منهم التخلّف. ولكنه لا يأتي بل يحال دونه. فلا يمنحه الله هذا الشرف العظيم، كان وقِحا قليل الحياء فتقدم إلى الرسول الكريم ليستأذنه قائلا: "يا رسول الله، أوَتَأذن لي ولا تَفتني، فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجباً بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن". والقرآن الكريم يوضّح أمره هذا بالآية الكريمة الآتية ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾(التوبة:49).
وجاء آخرون ﴿وَقَالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ فكان جواب الرسول صلى الله عليه وسلم هو جواب القرآن ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾(التوبة:81). فالذين قاسوا المشقّات وتجشموا الصعاب وتجرعوا الآلام في الدنيا سيكونون في مأمن عن النار في الآخرة. أما الذين أمضوا حياتهم الدنيوية في الملذات واستمتعوا بها سيعرضون على النار هناك ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾(الأحقاف:20).
نعم، القرآن الكريم يستنفر المؤمنين جميعاً للجهاد عندما تدعو الحاجة ، وسنكون من الفائزين أو الخاسرين حسَب استجابتنا لهذه الدعوة. فإما نقول: عسير علينا ترْك لذائذ هذه الحياة كما قاله المنافقون. أو نعمل بمثل عمَل الصحابة الكرام الغرّ الميامين فنأتي بما لدينا ونتأهّب للجهاد.

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/54850

اقرأ أيضا