كاراكاس - وكالات
قبل سنوات طويلة، وتحديداً في حزيران 2010، عقب عام واحد من قطع فنزويلا جميع علاقاتها مع إسرائيل، وقف الرئيس الفنزويلي الراحل، هوغو تشافيز، صارخاً في وجه الإرهاب الإسرائيلي الذي استهدف وقتذاك «أسطول الحرية»، قائلاً: «أريد أن أُدين، من أعماق روحي، ومن أعماق أحشائي: اللعنة عليكِ يا دولة إسرائيل! اللعنة عليكِ أيتها الدولة الإرهابية، ويا معشر القتلة». الآن، في عهد الرئيسة المؤقتة، ديلسي رودريغيز، تبدو تلك الحقبة كأنها تنتمي إلى ماضٍ سحيق أُريد شطبه بالكامل؛ فمع تسلّم رودريغيز مفاصل السلطة المؤقتة، إثر اختطاف الولايات المتحدة الرئيس نيكولاس مادورو في الثالث من كانون الثاني الماضي، شهدت السياسة الخارجية الفنزويلية انعطافة حادّة تُرجمت في تقارب سريع مع واشنطن، بدا بالنسبة إلى الكثير من المراقبين بمثابة قطيعة كاملة مع ثوابت الثورة البوليفارية.
فإلى جانب التنازلات التي قدّمتها في قطاع النفط، أقدمت الحكومة المؤقّتة على سلسلة خطوات ذات طابع أمني، جلّت استعدادها للمضيّ بعيداً في التعاون مع واشنطن؛ إذ عمدت إلى تسليم وزير الصناعة والإنتاج الوطني، أليكس صعب، إلى الولايات المتحدة ليواجه محاكمة مالية - سياسية، علماً أن صعب رجل أعمال مقرّب من مادورو، واشتُهر إعلامياً بـ«رجل الحقيبة» نظراً إلى إدارته شبكات مالية وتجارية معقّدة ساعدت الحكومة الفنزويلية في الالتفاف على العقوبات الأميركية والدولية. وتبع ذلك تسليم علي زكي حاج جليل، وهو فنزويلي من أصل لبناني تشتبه السلطات البنمية في أنه تولّى إدارة اللوجستيات ووسائل النقل لمنفّذي التفجير الذي استهدف رحلة «ألاس تشيريكاناس» رقم 901 عام 1994، إلى بنما تحت ذريعة «مكافحة الإرهاب». وبالتوازي، ثمّة تقارير تتحدّث عن تغلغل جهاز «الموساد» الإسرائيلي في العاصمة كاراكاس، واستباحته السيادة الفنزويلية عبر إجراء تحقيقات مباشرة مع مَن تصفهم تل أبيب بـ«المتهَمين بالإرهاب»، وتزعم وجود صِلات لهم بإيران و«حزب الله» اللبناني.
في ظلّ هذه التحوّلات، مثّل الزلزال الذي ضرب شمال فنزويلا في حزيران الماضي وحصد أرواح نحو 4734 شخصاً وخلّف 16740 جريحاً و17907 من المشرّدين، بوّابة «مثالية» لواشنطن وتل أبيب لتعميق اختراقهما الجمهورية البوليفارية. فعلى مطيّة «المساعدات الإنسانية» وإعادة الإعمار، شرعت الولايات المتحدة وإسرائيل في تحويل منصّة الإغاثة الفنزويلية إلى ما يشبه قواعد عسكرية واستخبارية متقدّمة، مكرّستَين واقعاً جديداً يهدف إلى محو تركة الحقبة السيادية التي أسّسها تشافيز. ومن أجل ذلك، وبذريعة المشاركة في عمليات التقييم الهندسي والإغاثة وإعداد خطة لإعادة الإعمار، وصل مبكراً إلى كاراكاس وفد إسرائيلي ضمّ دبلوماسيين من وزارة الخارجية ومسؤولين في «الهيئة الإسرائيلية لإدارة الطوارئ»، بالإضافة إلى عسكريين من «قيادة الجبهة الداخلية»، ترأّسهم رئيس أركانها العميد إيلاد إدري.
وسرعان ما حظيت هذه «المساعدة» بموافقة فورية من رودريغيز، التي أشادت بالوفد، واصفةً إياه بأنه «يتمتّع بمهنية وكفاءة عاليتَين». كما طلبت تمديد مهمّته أسبوعَين إضافيين، موضحةً أنه جاء إلى بلادها بناءً على تواصل بين الجالية اليهودية في فنزويلا والسلطات الإسرائيلية. ولم يتردّد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بدوره، في إضفاء بُعد سياسي على المهمّة، مخاطباً البعثة بقوله: «أنتم لا تعيدون بناء الأنقاض فحسب، بل تعيدون بناء العلاقات»، معتبراً أن ثمّة «فرصة» لإنهاء 17 عاماً من القطيعة الدبلوماسية. في الوقت نفسه، وتحت شعار «الاستجابة الإنسانية»، أعادت القوات الأميركية تشغيل مطار «مايكيتيا الدولي»، ونشر أكثر من 900 عسكري على الأرض الفنزويلية (تتصدّرهم قوات مشاة البحرية «المارينز»)، تساندهم قوّة دعم لوجستي من 800 عسكري مرابطين في بورتوريكو وكوراساو. وتَرافق هذا الانتشار مع زجّ واشنطن بأربع أو خمس طائرات استطلاع مسيّرة من طراز «MQ-9 Reaper» موجّهة من خلية استخبارية في ميامي، مهمّتها مسح الجغرافيا الفنزويلية تحت ستار تحديد الأبنية المتضررة.
أمّا في الميناء الرئيس للبلاد (لا غوايرا)، فرست سفينة الإنزال البرمائية الضخمة «USS Fort Lauderdale» (المخصّصة لنقل القوات والآليات الحربية)، التي تعمل كمركز لوجستي عائم، ثمّ تلتها السفينة القتالية الساحلية «USS Billings»، في وقت وصل فيه جنرال «المارينز»، كيفن جيرارد، إلى فنزويلا ليتولّى القيادة الميدانية المباشرة. ورغم ادّعاءات قائد القيادة الجنوبية الأميركية، الجنرال فرانسيس دونوفان، أن هذه المهام «مؤقّتة»، فإنه لم يخفِ تطلّعه إلى أن يمهّد هذا الحضور الأرضية لـ«علاقة عسكرية أفضل» وأكثر ديمومة بين واشنطن وكاراكاس. كذلك، سجّلت الساحة الفنزويلية وصول فريق من منظمة «الخوذ البيضاء»، قادم من دمشق، بتوجيه من السلطات الانتقالية التي يقودها أحمد الشرع؛ علماً أن المنظمة المذكورة ارتبط اسمها طوال سنوات الأزمة السورية بالتمويل الغربي (البريطاني والأميركي تحديداً).
ويأتي كلّ ذلك في ظلّ الحاجة الماسّة التي خلّفتها سنوات طويلة من العقوبات الأميركية والغربية على كاراكاس، خسرت خلالها الأخيرة عشرات مليارات الدولارات، بينما تجاوزت خسائر قطاعها النفطي منذ عام 2017 حاجز الـ200 مليار دولار وفق معهد «تريكونتيننتال». وفي هذا السياق، دعا أكثر من مئة اقتصادي وباحث دولي، من بينهم جيفري ساكس وجيمس غالبريث، إلى الإفراج العاجل عن الأصول الفنزويلية المجمّدة ورفع العقوبات التي تمنع البلاد من الاستجابة للكارثة الطبيعية وإعادة الإعمار. ورغم تلك المناشدات، تستمرّ إدارة ترامب في إحكام قبضتها على صادرات النفط الفنزويلية عبر وزارة الخزانة؛ وفي هذا الإطار، كشفت روكسانا فيغيل، المستشارة السابقة في «مكتب مراقبة الأصول الأجنبي» (OFAC)، في مقال نشره «مجلس العلاقات الخارجية»، أن الإدارة صدّرت في الأشهر الأربعة الأولى للتدخل العسكري نحو 100 مليون برميل من النفط الفنزويلي (بقيمة 8 مليارات دولار) عبر آلية غامضة «تفتقر إلى الحدّ الأدنى من الرقابة». وفي حين يطالب أعضاء في الكونغرس بإجراء تدقيق مستقلّ في الخصوص، ترفض الإدارة الكشف عن مصير هذه الأموال والجهات التي تديرها، مكتفيةً بمعلومات شحيحة سرّبها وزير الخارجية، ماركو روبيو، حول مرور جزء من العائدات عبر حسابات وسيطة في قطر، قبل استقراره في الخزانة الأميركية. وفيما يستمرّ «بنك إنكلترا»، أيضاً، في احتجاز الذهب الفنزويلي كـ«رهينة»، تؤكد الشواهد أن الكارثة الطبيعية الأخيرة لم تكن سوى الغطاء الأحدث لترسيخ نظام الوصاية والنهب المنظّم لثروات فنزويلا.
كيف تُدار «المستعمرة» الفنزويلية؟
تكشف الوثائق والتقارير المسرَّبة في الولايات المتحدة عمق النظرة الاستعلائية الأميركية تجاه فنزويلا؛ إذ تتّفق النخبة الحاكمة على ضرورة إخضاع هذه «المستعمرة»، لكنها تختلف في طريقة إدارتها. وفي هذا السياق، أزاحت صحيفة «وول ستريت جورنال» الستار عن تقرير استخباري رفعته «وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية» (CIA) إلى البيت الأبيض، بناءً على نصيحة من علي مشيري، المدير التنفيذي السابق في شركة «شيفرون» النفطية، يحذر من مغبّة تنصيب المعارِضة المدعومة أميركياً بقيادة ماريا كورينا ماتشادو. وبحسب التقييم، فإن تسليم ماتشادو -التي لا تمتلك نفوذاً في الأجهزة الأمنية أو قطاع النفط- السلطة قد يُغرق الولايات المتحدة في «مستنقع شبيه بالعراق»، وربّما يهدّد تدفق «الذهب الأسود»؛ وبدلاً من ذلك، أوصت الـ«CIA» بالإبقاء على ديلسي رودريغيز كخيار يضمن «الاستقرار» النفطي ومصالح الكارتيلات الأميركية.
وفي ما يمثّل استجابة لتلك التوصية على ما يبدو، مُنعت ماتشادو من العودة إلى فنزويلا عبر طائرة خاصة من كوراساو؛ إذ لم تكد تستقلّ الطائرة حتى جاء الأمر من واشنطن إلى الطيّارين بالعودة وإلغاء الرحلة. وعقب الإلغاء، حاولت ماتشادو السفر من بنما إلى كاراكاس على متن رحلة تجارية، إلا أن شركة «كوبا إيرلاينز» رفضت نقلها خشية تعرّضها لإجراءات انتقامية من السلطات الفنزويلية. وبحسب الصحيفة، فإن إدارة ترامب رأت في عودة المعارِضة «عنصراً يزعزع استقرار الحكومة الانتقالية» التي تنفّذ الأجندة الأميركية بسلاسة؛ وهو ما أكده روبيو لماتشادو، حين أبلغها صراحة بأن «هذا ليس الوقت المناسب للعودة»، معلّلاً ذلك بعمليات الإغاثة الجارية.
المصدر: الأخبار اللبنانية
