روما - وكالات
الساعات المقبلة كفيلة بتحديد ما إذا كانت جولة روما ستنجو من ارتدادات التصعيد الميداني، أم أن النار المشتعلة في الجنوب ستفرض تعليقاً للمفاوضات قبل أن تبلغ أي نتائج. فالمؤشرات الواردة من تل أبيب، سواء عبر القناة 14 العبرية أو ما نقلته "جيروزاليم بوست" عن طلب "إسرائيلي" بتعليق المحادثات، توحي بأن الخيار العسكري عاد ليتقدم على المسار الدبلوماسي. ويعزز ذلك ما نقلته CNN عن مصدر دبلوماسي لبناني بأن التطورات على الأرض قد تحول دون استئناف المفاوضات الفنية، رغم استمرار المساعي لاحتواء الموقف.
وعليه، فإن نجاح الوساطات في تبريد الجبهة الجنوبية لم يعد شرطًا للاستقرار الأمني فحسب، بل أصبح أيضًا شرطًا لاستمرار التفاوض نفسه، بعدما بات واضحًا أن أي تصعيد جديد قادر على نسف المسار السياسي أو تجميده إلى أجل غير معلوم.
رغم محاولات فريق السلطة في لبنان تقديم الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما على أنها مسار شاقّ يحقّق تقدّماً تدريجياً، ولو ببطء، فإن الوقائع
الميدانية والسياسية سرعان ما بدّدت هذا الانطباع.
ومرة جديدة، بدا الميدان أقوى من طاولة التفاوض. ففيما استأنف الوفدان اللبناني و"الإسرائيلي"، برعاية أميركية، الجولة السابعة من المفاوضات المباشرة في روما، كانت إسرائيل تؤكّد عملياً أنها لا تتعامل مع المسار الدبلوماسي باعتباره مُلزِماً لها. ورسائلها لم تأتِ عبر قاعات التفاوض، بل من جنوب لبنان، حيث واصلت عمليات التدمير والتجريف، وأصدرت إنذاراً بإخلاء بلدة المنصوري، في خطوة أعادت إلى الأذهان مشاهد الحرب الأخيرة. وانعكس هذا التصعيد مباشرة على مُجريات المفاوضات، إذ انتهت جلسة اليوم الثاني قبل موعدها بعدما طغت التطورات الأمنية على جدول الأعمال، بما عزّز الانطباع بأن العدو الصهيوني يستخدم التصعيد الميداني لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل التوصّل إلى أي تفاهم.
وفي الوقت الذي كان فيه الوفد اللبناني يطالب بانسحاب "إسرائيلي" من منطقة تجريبية ثانية تمهيداً لتوسيع انتشار الجيش، كانت جرافات الاحتلال تواصل أعمال التجريف في وادي السلوقي عند أطراف بلدة شقرا، بالتزامن مع تقدّم آليات عسكرية من محور حولا، واستمرار عمليات نسف المنازل وإحراقها وتخريب الممتلكات.
لكنّ التصعيد الميداني لم يكن وحده ما صعّب الجولة. فاليوم الأول من المفاوضات لم يحمل الاختراق الذي كان لبنان يعوّل عليه، إذ اتّسمت المُداولات بالصعوبة منذ ساعاتها الأولى، وارتفع منسوب التوتر مع انتقال النقاش من العناوين العامة إلى الملفات التنفيذية، ولا سيما وقف الاعتداءات "الإسرائيلية"، وتقييم تجربة المنطقة التجريبية الأولى، وآلية التحقّق من أي انسحاب "إسرائيلي". وزادت الأمور تعقيداً بعدما تبنّى الجانب الأميركي الطرح "الإسرائيلي" القاضي بإعداد «بروتوكول سري مُلزِم» ينظّم المرحلة التنفيذية للاتفاق، فيما أصرّت تل أبيب على الحصول على "التزامات لبنانية واضحة في المرحلة الحالية، لا وعود مؤجّلة".
وبحسب المصادر، «أبلغت واشنطن لبنان عدم وجود نية لديها للضغط على إسرائيل، وأن المطلوب القيام بخطوات واضحة في مشروع نزع سلاح حزب الله، ليس في الجنوب فقط، بل في كل لبنان، حتى يكون هناك اطمئنان لإسرائيل يسمح بتوسيع المناطق التجريبية وتسريعها"..
وأظهرت المواقف الأميركية أن أولوية واشنطن تنحصر في ملف نزع سلاح حزب الله وتفكيك البنى العسكرية التابعة له في جنوب لبنان، باعتبار ذلك المدخل الأساسي لتنفيذ اتفاق الإطار. وفي المقابل، كان لافتاً أن الخطاب الأميركي تجنّب الحديث عن انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية، واكتفى بالإشارة إلى إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في الجنوب.
وانتهت جلسات اليوم الثاني من دون تسجيل أي اختراق، بعدما رفض الوفد "الإسرائيلي" تقديم أجوبة سياسية واضحة بشأن عدد من المطالب اللبنانية، ما عزّز قناعة مصادر مواكبة للمفاوضات بأن تل أبيب لا تزال تعتمد سياسة المراوغة وكسب الوقت.
وبحسب مصادر رسمية لبنانية، حمل الوفد إلى روما سلّة مطالب اعتبرها شرطاً لإنجاح الجولة، في مقدّمها إعادة تثبيت وقف إطلاق النار، ووقف جميع أشكال الاعتداءات الإسرائيلية، بما يشمل عمليات النسف والتفجير والتجريف وإحراق المنازل. كما طرح مُقترحاً يتعلّق بملف الأنفاق والمنشآت، يقضي بوقف التفجيرات التي تتسبّب بأضرار واسعة، على أن يتولى الجيش اللبناني تسلّم هذه المواقع والتعامل معها مباشرة. إلا أن الوفد الإسرائيلي امتنع عن تقديم أي التزام بوقف عملياته، أو حتى إعطاء جواب واضح بشأن هذه المطالب.
وشكّل ملف المناطق التجريبية محور الخلاف الأبرز. فقد انطلق الوفد اللبناني من تجربة زوطر الغربية، رافضاً اعتبارها نموذجاً ناجحاً يمكن تعميمه، باعتبار أن الانسحاب الإسرائيلي منها لم يكن كاملاً، إذ لا تزال قوات الاحتلال تحتفظ بنقاط يعتبرها لبنان جزءاً من المنطقة التي يُفترض أن تكون قد أُخليت بالكامل.
كما أثار الوفد اللبناني استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجيش اللبناني رغم انتشاره في المنطقة، معتبراً أن ذلك يثير شكوكاً جدّية حول مدى التزام إسرائيل بالترتيبات المُتّفق عليها. ولدعم موقفه، قدّم خرائط توثّق انتشار وحدات الجيش، وتمسّك بضرورة وجود آلية أو جهة مستقلة للتحقّق من تنفيذ الالتزامات ميدانياً، بحيث لا يبقى تقييم الانسحاب أو الالتزام خاضعاً للرواية الإسرائيلية.
وشهدت الجلسات نقاشاً موسّعاً حول آلية التحقّق من تنفيذ الاتفاق، بما في ذلك مُقترحات لإشراك فرنسا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى في مراقبة تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني داخل المناطق التجريبية. إلا أن إسرائيل رفضت عدداً من الخيارات، سواء تلك التي تقضي بإسناد المهمة إلى قوات «اليونيفل» أو إلى الجانب الإيطالي المشارك فيها. في المقابل، لا تبدي الولايات المتحدة استعداداً لإرسال قوات أو تولّي مهمة التحقق المباشر، مفضّلة الاكتفاء بدور المنسّق والضامن السياسي، ما أبقى ملف آلية التحقّق من دون اتفاق.
وفي موازاة ذلك، اقترح الوفد اللبناني الانتقال إلى مرحلة ثانية تشمل منطقتي بنت جبيل والخيام، لما تمثّلانه من أهمية جغرافية وسكانية ورمزية، معتبراً أن الانسحاب الإسرائيلي منهما سيشكل خطوة متقدّمة في تنفيذ الاتفاق. كما طرح بدائل، بينها زوطر الشرقية ومناطق في قضاء النبطية، في حال رفض المُقترح الأساسي. إلا أن إسرائيل رفضت توسيع نطاق المناطق التجريبية، وهو ما كانت وسائل إعلام إسرائيلية قد أشارت إليه قبل انطلاق جلسات اليوم الثاني.
وأكّد الوفد اللبناني أن نجاح أي منطقة تجريبية يفترض توافر أربعة شروط مترابطة: انسحاب إسرائيلي كامل وغير قابل للتأويل، وآلية مستقلة للتحقّق من تنفيذه، وانتشار
الجيش اللبناني، ووقف كامل للاعتداءات الإسرائيلية. ومن دون هذه الضمانات، يرى لبنان أن توسيع التجربة لن يؤدي إلّا إلى تكرار الإشكالات التي رافقت تجربة زوطر الغربية.
مع ذلك، واصلت السلطة سياسة الإنكار، وسوّقت أن الوفد المفاوض انتزع موافقة إسرائيل على إدراج ملف الحدود البرية ضمن جدول البحث، استناداً إلى توجيهات الرئيس جوزيف عون، وتمّ تقديم تصوّر كامل حول الحدود البرية، بالاستناد إلى الخرائط والوثائق القانونية والتقنية. وتركّز الطرح اللبناني على ضرورة تثبيت الحدود الدولية ومعالجة النقاط الثلاث عشرة التي يتحفّظ عليها لبنان، والتي تبلغ مساحتها نحو نصف مليون متر مربّع، إلى جانب معالجة الخروقات الإسرائيلية الممتدّة على طول الخط الأزرق بين الناقورة والوزاني، وإعادة تثبيت العلامات الحدودية التي تعرّض قسم كبير منها للتدمير خلال الحرب الأخيرة، علماً أن الجانب الإسرائيلي، بحسب وسائل إعلام عبرية، لم يقدّم أي التزام عملي واكتفى بقبول النقاش في الملف.
