علي حيدر*
لا يبدو أن الخلاف بين إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يتعلّق بالأهداف الاستراتيجية الكبرى من الحرب؛ فكلاهما متّفقان على منع إيران من التحوّل إلى قوة مهيمنة في الشرق الأوسط، والحيلولة دون امتلاكها القدرة على إنتاج السلاح النووي، والحدّ من نفوذها الإقليمي، والحفاظ على التفوّق الإسرائيلي في المنطقة. إلّا أن التباين بين الطرفَين، والذي يُعدّ نتيجة طبيعة لفشل الحرب من الناحية الاستراتيجية وتسبّبها بإنتاج وقائع جديدة معاكِسة للطموح الأميركي - الإسرائيلي، يَظهر بوضوح في ترتيب الأولويات، وإدارة القوة، وتوقيت الانتقال من العمل العسكري إلى نظيره السياسي.
في هذا الإطار، تعتقد الولايات المتحدة أنه في ضوء النتائج غير المتوقَّعة التي أفرزتها الحرب، بات من الضروري الانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً، يمكن من خلالها تحويل الإنجازات الميدانية إلى ترتيبات أمنية تقلّل الحاجة إلى الانخراط العسكري الأميركي في المنطقة وتعيد توزيع الأعباء على الحلفاء؛ وهو ما يوجب، بالتالي، استمرار التفاوض واحتواء التصعيد. وفي المقابل، ترى إسرائيل أن المنطقة لا تزال تعيش مرحلة سيولة استراتيجية، وأن أيّ توقف مبكر عن ممارسة الضغط سيمنح إيران فرصة لتثمير مكاسبها على المستوى الاستراتيجي، فضلاً عن إعادة بناء قدراتها العسكرية والاقتصادية، واستعادة زمام المبادرة. ولذلك، تتهيّب تل أبيب من أيّ اتفاق أميركي - إيراني لا يعالج بصورة متكاملة البرنامج النووي، ومنظومة الصواريخ الباليستية، وشبكة الحلفاء الإقليميين، نظراً إلى أن معالجة ملف واحد مع ترك بقية عناصر القوة الإيرانية على حالها، لن تؤدي إلى إنهاء التهديد، وإنما إلى تأجيله.
هذا ما عبّر عنه نتنياهو في أكثر من مناسبة، عندما أكّد مثلاً أن «إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً (يقصد القدرة على إنتاج سلاح نووي)، سواء كان هناك اتفاق أم لم يكن»، موحياً بأن إسرائيل تحتفظ بحقها في العمل العسكري ضدّ إيران إذا رأت أن الاتفاق العتيد بين الأخيرة والولايات المتحدة لا يحقّق هذه النتيجة.
كذلك، شدّد نتنياهو على أن «أيّ اتفاق يجب أن يكون مصحوباً بتهديد عسكري ذي مصداقية»، بهدف ضمان تنفيذ الاتفاق ومنع إيران من الالتفاف عليه، وفق ما تُحاجج به إسرائيل. وفي الاتجاه نفسه، يقول يعقوب ناغل، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق: «إذا سألتني، فإن غياب المفاوضات أفضل بكثير من المفاوضات السيئة»، وهو ما يعكس اعتقاداً بأن المفاوضات يجب أن تفضي إلى تغيير فعلي في ميزان القوى، لا أن تسمح لإيران باستعادة أنفاسها.
ولا يقتصر هذا النمط من التفكير على إيران، بل يمتدّ إلى لبنان أيضاً، حيث ترى إسرائيل أن أيّ ترتيبات أمنية لا تضمن إزالة مصادر التهديد أو حرية التدخل العسكري ستبقى ناقصة، وهو ما يستبطن طموحاً إلى إدامة الهيمنة الإسرائيلية، ويعني بالضرورة الاستمرار في تنفيذ عمليات تستهدف منع الأعداء حتى من امتلاك القدرة على الدفاع، سواء في لبنان أو في أيّ ساحة أخرى.
وهنا، وفي ما يمثّل محور تباين أيضاً مع الإدارة الأميركية، شدّد نتنياهو، في معرض حديثه عن الساحة اللبنانية، على أن إسرائيل ستحتفظ بحرية التحرّك كلّما رأت تهديداً، قائلاً: «إذا رأيتم تهديداً، فتحرّكوا... ليس لكم الحق فقط، بل عليكم واجب التحرّك». على أن ذلك التقدير لا يحظى بإجماع كامل داخل إسرائيل؛ فثمة أصوات تعتقد أن الاستراتيجية التي تعتمدها حكومة نتنياهو لن تفلح في منع إيران (وحلفائها) من التكيّف مع الضغوط، وإعادة بناء قدراتها، وربّما تطوير برامجها الاستراتيجية بعيداً عن الرقابة الدولية. ويختصر الرئيس السابق لوحدة إيران في شعبة الاستخبارات العسكرية «أمان»، العميد احتياط داني سيترونوفيتش، تلك المعادلة بقوله: «الحكومة الحالية ليست معنيّة بذلك. إنها معنيّة بالإبقاء على إيران باعتبارها تهديداً دائماً، وبالإبقاء على إمكانية العودة إلى الحرب".
وإذ يعكس تفاوت الآراء هذا نقاشاً داخلياً حول ما إذا كان الهدف إزالة التهديد الإيراني، أم إدارة تهديد مستمرّ يبرّر استمرار سياسة الردع والضغط، فإن كلا السيناريوَين يبقى رهينة عاملَين حاسمَين: الأوّل، هو ما ستفرضه قدرة الأطراف على الصمود أو فرض وقائع جديدة، نظراً إلى أن نتائج المواجهات هي التي ترسم في النهاية حدود الممكن سياسياً؛ وأمّا الثاني، فهو أن القرار الاستراتيجي النهائي يبقى في يد الولايات المتحدة وليس إسرائيل.
فمهما بلغ حجم التأثير الإسرائيلي في رسم السياسات الأميركية، فإن واشنطن هي التي تحدّد لحظة الانتقال من الحرب إلى السياسة، وحدود التصعيد، وشكل التسوية المقبولة، وذلك انطلاقاً من تقديرها لمصالحها الاستراتيجية، وللكيفية التي ترى أن أمن إسرائيل يخدم بها تلك المصالح، وليس بالضرورة وفق الرؤية الإسرائيلية أو ترتيب تل أبيب لأولوياتها.
ولذا، فإن مستقبل الصراع لن تحدّده الإرادة الإسرائيلية وحدها، بل التفاعل بين نتائج الميدان، وحسابات القوة الأميركية، وقدرة كلّ طرف على فرض معادلته على الآخر. *(المصدر: الأخبار اللبنانية)
