/مقالات/ عرض الخبر

الصراع على المناهج التربوية: العالم "الحر" يتبنى التزوير الصهيوني

2022/10/31 الساعة 07:43 ص

بقلم: راغدة عسيران

منذ سنوات، يحاول العدو الصهيوني فرض مناهجه التعليمية على الطلاب المقدسيين بدلا عن المنهاج الفلسطيني الذي أقرته السلطة الفلسطينية. من ناحية، يحارب المنهاج الفلسطيني ويتهمه بدعم "الإرهاب"، عبر مؤسسات صهيونية، في فلسطين المحتلة وفي العالم، ويمارس الضغط على مؤسسات الاتحاد الأوروبي لمنعها من تمويل هذه المناهج، وقد نجح في إثارة الموضوع وتشكيل رأي عام أوروبي رسمي الى جانبه، رغم إخفاقه في مسألة التمويل. ومن ناحية أخرى، يلاحق المدارس الفلسطينية المقدسية التي تبنّت المنهاج الفلسطيني ويرهب تلامذتها وتقوم شرطته بتفتيش حقائبهم، في طريقهم الى مدارسهم، كما يضغط، من خلال التمويل، على المدارس المقدسية لتتبنى منهاجه، الذي يمكن توصيفه بالمنهاج الصهيوني العنصري والإلغائي.

تشكل المناهج التربوية في دول العالم إحدى الوسائل الأكثر تأثيرا على صياغة الهوية الجماعية التي تسعى الى فرضها الجهة المسيطرة على الدولة. في الحالة الاستعمارية الاستيطانية، لقد مارست الدول الاستيطانية ضغوطا كبيرة على "الأقليات" من أجل دمجها في الهوية المسيطرة، عن طريق المناهج المفروضة في المدارس التي صاغها "المنتصر"، واستخدمت وسائل قمعية ووحشية أحيانا من أجل هذا الهدف، كما فعلت الدولة الكندية عندما خطفت أطفالا من عائلاتهم الهندية واعتقلتهم في مدارس داخلية خاصة وأبعدتهم عن بيئتهم، كي يصبحوا مواطنين كنديين "صالحين" في خدمة الدولة وايديولوجيتها.

في فلسطين المحتلة عام 1948، ابتدع العدو الصهيوني منهاجا خاصا ب"الأقلية العربية" التي جزأها الى "أقليات"، كي يلغي الشعب الفلسطيني، ويكرّس تفتيته، ديمغرافيا وثقافيا وتاريخيا. ينتقد الباحث رياض ناصر، في دراسة صدرت قبل سنوات حول المنهاج "الإسرائيلي" الخاص بفلسطينيي 48، وتطوّره عبر السنين، ويتهمه ليس فقط بإلغاء الشعب الفلسطيني وتاريخه وهويته، بل باعتبار الكثير من الأمور التاريخية القديمة المتعلقة باليهود وكأنها حقائق مؤكدة لا يمكن إنكارها أو نقدها.

بالنسبة للتاريخ القديم، تصوّر الكتب الصهيونية المدرسية الخاصة بالفلسطينيين أن التواجد اليهودي في فلسطين مستمر منذ أقدم العصور، ولا وجود لشعوب أخرى على هذه الأرض إلا بشكل متقطع. أما بالنسبة للتاريخ الحديث، فترى هذه الكتب أن الاستعمار البريطاني لفلسطين كان إيجابيا للشعب الفلسطيني، بسبب الحداثة التي أدخلته إذ انتشله من الجهل والتخلف، وتصنّف مقاومة الشعب الفلسطيني والشعوب العربية للاستعمار بـ"الإرهاب".

في المناهج الصهيونية، التي يسعى العدو الى فرضها اليوم على المقدسيين، تم عبرنة أسماء المدن والبلدات والجبال والوديان العربية، بحيث يشعر التلميذ الفلسطيني أنه يعيش في بلد أجنبي لا علاقة له فيه، وهذا ما يطمح اليه الصهاينة، بأن يشعر الفلسطيني بأنه في دولة يهودية وأنه "طارئ" عليها، وغريب. تتكلم الكتب المدرسية عن تاريخ لا يعنيه، وما تعلمه في بيئته الفلسطينية العربية غير موجود في هذه المناهج، التي تنفي وجود شعب على أرضه يقاوم الإلغاء والتهجير والتزوير.

لكن المناهج الصهيونية، المشبعة بفكرة إلغاء الشعب الفلسطيني من التاريخ والجغرافيا، وبالعنصرية إزاء العرب والمسلمين بشكل عام، تجاوزت حدود الكيان الصهيوني بحد ذاته، حيث أن المناهج التربوية في المدارس، والكتب المعتمدة في معظم الجامعات الغربية، تروّج للرواية الكاذبة الصهيونية حول الصراع العربي الصهيوني وحول التاريخ اليهودي المخترع.

لقد ندّد عدد من الأساتذة الأوروبيين وانتقدوا هذه المناهج المشوّهة للتاريخ وللحقائق، والتي تساهم في تجهيل المواطنين وتعطيل تفكيرهم، بدلا من صياغة شخصيتهم وجعلهم مواطنين يحملون مسؤولية اتجاه العالم الذي يعيشون فيه.

يقول الأستاذ ميشال ستافسكي، الذي انتقد المناهج المدرسية البلجيكية، أنها منحازة تماما للرواية الكاذبة الصهيونية. لا تأخذ هذه الكتب المدرسية الخاصة بتعليم التاريخ بعين الاعتبار وجهات النظر الأخرى، ولا تقدّم الوثائق التاريخية المنافية للرواية الصهيونية. فهو يعترف بأن المؤرخ ليس محايدا بشكل عام، ولكن عليه تقديم، على الأقل، وجهات النظر الأخرى، كي يتمكن الطالب من بلورة صورة قد تقترب من الحقيقة. وهذا ما لا تفعله المناهج البلجيكية التي تبنّت الرواية الصهيونية الخاصة بالتاريخ القديم والحديث.

من بين الأمثلة التي يوردها الكاتب، الحديث عن الكيان الصهيوني للتعبير عن اليهود في العالم، أي أن المناهج حسمت مسألة تمثيل يهود العالم من قبل "إسرائيل" في حين ان الكيان الغاصب لا يمثل العديد منهم وفي دول مختلفة. تعتبر بعض الكتب المدرسية أنه كان على البريطانيين (سلطة الانتداب) التعامل مع "شعبين" يتخاصمان على أرض واحدة، أي أن المستعمر المستوطن القادم من وراء البحار له حق المطالبة بأرض ليست له، بالتوازي مع شعبها الأصيل. لا تذكر المناهج سبب نزوح الفلسطينيين، تكتفي بالقول أنهم "رحلوا". وفقا للكاتب، تتابع بعض المناهج المدرسية الترويج للرواية الكاذبة الصهيونية بنقل ما ينطق به المسؤولون الصهاينة حول الضفة الغربية ومحاربتهم "للإرهاب" الفلسطيني، دون النظر الى توسّع الاستيطان.

وتأكيدا على أن "الدولة اليهودية" محاطة بأخطار كبيرة، يورد أحد المناهج معدل الولادة في المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948، وفي قطاع غزة والدول العربية المجاورة (مصر، سوريا والأردن)، مقارنة مع معدل الولادة في الكيان الصهيوني، دون تعليق. لكن يقول كاتب المقال أنه يكفي وضع هذه الأرقام جنبا الى جنب لاستنتاج أن الكيان الصهيوني مهدّد بالديمغرافيا العربية، ما يشرعن حروبه المتتالية.

لا تختلف الكتب المدرسية الفرنسية عن تلك الكتب البلجيكية. فهي تتبنى الرواية الصهيونية حول القدس، التي تعتبرها مدينة مقدسة يهودية، و"حائط المبكى" (البراق) هو ما تبقى من "آثار الهيكل الثاني". وفي أحد التمارين الملحقة بالدرس، على التلميذ كتابة 10 أسطر لتفسير أن القدس "مدينة مقدسة للديانة اليهودية". تنكر الكتب المخصصة للتاريخ القديم وجود شعوب أخرى غير "الشعب اليهودي" في فلسطين، ولا تقدم تفسيرا لوجود مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، في سردها للتاريخ الحديث، بل تتهم الحركات "الإسلامية" بأنها ترفض أي "تسوية سلمية" للصراع.

في كتابه الصادر عام 2022، الذي كان قد قدمه كأطروحة جامعية لنيل شهادة الدكتوراه (2015) في الجامعات البريطانية، رصد د. سيد هادي البرهاني عمليات الإرهاب الفكري الصهيوني الذي مارسته عدد من الجمعيات والمؤسسات الموالية للكيان الإرهابي ضد الكتب المعتمدة في الجامعات الغربية حول الصراع العربي-الصهيوني. من بين الأمثلة التي أوردها، استطاع اللوبي الصهيوني شطب مقطع من كتاب بريطاني يصنف كعمل إرهابي اغتيال الكونت برنادوت (البريطاني) في العام 1947، من قبل الجماعات المسلحة اليهودية، ما يعني أن الأكاديمية البريطانية مستعدة لتشويه تاريخ بلادها لصالح الكيان الاستيطاني التي ساهمت بإقامته. ويورد الكاتب مثالا آخر حول تمكن اللوبي الصهيوني من إلغاء كتاب معتمد في الجامعات البريطانية لأنه نشر خرائط اختفاء فلسطين لصالح الكيان الصهيوني منذ العام 1946 الى العام 2000. 

تشير هذه الأمثلة حول الكتب المدرسية والجامعية المعتمدة من قبل الدول الأوروبية الى تغلغل التأثير الصهيوني في المجتمعات الغربية لأسباب مختلفة، من بينها الطبيعة الاستعمارية لهذه الدول بالأساس وتفشي العنصرية فيها، إزاء الشعوب العربية والإسلامية.

رغم صيحة شرائح واسعة من الشعوب الغربية حول حقيقة الصراع، بفضل مقاومة الشعب الفلسطيني منذ عقود، وبفضل الجاليات العربية والإسلامية في هذه الدول، التي استطاعت التغلّب على الرواية الكاذبة الصهيونية في الإعلام غير الرسمي، لا تزال الحكومات والإدارات والمؤسسات الرسمية تنطق باللغة الصهيونية وتميل الى جانب المستعمرين. 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/186520

اقرأ أيضا