/مقالات/ عرض الخبر

في الذكرى الـ27 لاستشهاده..

الشهيد د. فتحي الشقاقي حيّ في فكره ومسيرته الجهادية

2022/10/24 الساعة 06:06 ص

بقلم: راغدة عسيران

يتساءل عدد من المحللين السياسيين عن دوافع الموجة الثورية الحالية في الضفة الغربية والقدس، حيث يحمل الشباب الثوري سلاحه ويواجه المحتل. قد لا يكون هؤلاء الشباب ينتمون الى تنظيمات سياسية أو عسكرية، لكن من المؤكد أن أغلبيتهم، إن لم يكن كلهم، يحملون إرث المفكّرين الثوريين الفلسطينيين، العرب والمسلمين، الذين حثوا على قتال المستعمرين وتحرير البلاد والعمل على استنهاض الأمة.

ما يميّز فكر الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، الذي يلهم اليوم العديد من الشباب، في فلسطين وأكثر من دولة عربية، حيث ترفع صوره في مناطق عدة في الضفة الغربية، الى جانب صور قادة المقاومة اليوم والبارحة، ويعاد التذكير بأقواله، رغم استشهاده قبل 27 عاما، هو أصالة فكره الذي ينبع من الإسلام، وإجابته على الأسئلة المهمة المطروحة منذ احتلال فلسطين، ومسيرته الجهادية حيث أسس مجموعة جهادية لمحاربة العدو، وحمل السلاح وقاتل، وتم اعتقاله وإبعاده عن وطنه من قبل العدو الصهيوني، ذلك الى جانب توليه مهمة صياغة أفكاره التي عرضها أمام جمهور عربي وإسلامي، في المجلات والندوات، وفي المقابلات والكتب، تلك الأفكار التي تشكل منهاجا ثوريا معاديا للظلم وللمساومة على الحق، وتفسيرا واقعيا للمرحلة التي تمر فيها القضية الفلسطينية.

لقد ترك الشهيد فتحي الشقاقي إرثا متعدد الجوانب، سياسيا وفكريا وأدبيا، وقدّم طروحات متقدمة وعميقة حول العالم الذي نعيش فيه، وحول الحركة الإسلامية وتاريخها المعاصر، انطلاقا من فلسطين، التي اعتبرها، هو والمجموعة التي تشكّلت حوله، مركز الصراع في العالم. فقال "فلسطين أيديولوجيا هي الزمن العربي والإسلامي المعاصر، بل عنوان نضال الإنسان، فهل هناك ما هو أدعى للتوحيد والنهوض؟ إن فلسطين بحكم حضورها في مركز التحدي الغربي الاستعماري لشعوبنا وأمتنا، وبحكم حضورها أيضاً وتالياً في مركز المشروع الإسلامي ستبقى رمزاً أو دالة على حريتنا أو عبوديتنا وإستقلالنا أو تبعيتنا، نهضتنا أو تخلفنا، دالة على إلتزامنا الإسلامي أو خسراننا وربما على إيماننا أو عدمه".

بحث الشهيد الشقاقي في مفردات هذا الصراع، وعيّن من هم الأعداء، أعداء الشعب الفلسطيني وشعوب الأمة، وحتى شعوب العالم المقهورة، الأعداء الذين يحاولون الى يومنا هذا، النيل من وحدتها وتماسكها، عبر وسائل عديدة ومتعددة، واختراقها عبر أفكار جذابة وعصرية، لكنها فارغة المضمون. فكتب: "الإستعمار يريد أن تعود المنطقة إلى ما قبل الإسلام الذي صهر الأقاليم والطوائف والمذاهب والحضارات الصغيرة والكبيرة في بوتقة واحدة.. ومشروع الغرب القائم على منهجية الصراع يريد أن يخترق المنطقة بتمزيقها قومياً وإقليمياً وطائفياً، وبعثرتها إلى مكوناتها الأولى قبل الجامع الإسلامي الكبير."

ومن خلال دراسته للتاريخ العربي والإسلامي والعالمي، وجد أين تقع مكامن القوة لدى شعوب الأمة، ولماذا يجب التمسك بالتراث، بعد تمحيصه، وبالتاريخ، بعد دراسته الواعية، وعدم التفريط بالجغرافيا، وما هي أهمية وحدة شعوب الأمة، وقد ساهم بشكل فعال في اللقاءات والندوات والأطر الوحدوية في فلسطين، والعالم العربي والإسلامي.

لقد ركّز الشهيد د. فتحي الشقاقي على الوعي ضمن معادلة "الايمان والوعي والثورة"، الوعي النابع من الايمان الذي يقود الى الثورة. يجب أن تكون شعوب الأمة واعية لمكانة فلسطين في الأمة، ولطبيعة الصراع الدائر اليوم، ولطبيعة الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين، كما يجب عليها أن تكون واعية لتاريخها ومفردات قوتها وتماسكها. فيقول: "فلا بد من قراءة الواقع الذي نعيشه قراءة واعية ومستبصرة لتقديم الإجابات الحقيقية والشافية عن المعضلات الحقيقية."

فربط فلسطين بالأمة، عقائديا وتاريخيا وجغرافيا، وجعل من القضية الفلسطينية القضية المركزية للأمة، وللحركات الإسلامية التي كان وأخوانه ينتمون اليها. فيقول: "بدون حسم الصراع على فلسطين فكل محاولات الأمة للنهضة والاستقلال ستجهض، أو تحاصر…."، بسبب مركزيتها في هذا الصراع ضد الاستكبار العالمي المتمثل بالولايات المتحدة وحلفائها وملحقاتها في العالم. يؤكد أن الوعي بهذا الربط التاريخي والاستراتيجي يقود الى الثورة ضد الاحتلال الأجنبي والهيمنة الأميركية ومن أجل تحرير الأمة منهما لنيل استقلالها الفعلي.

يتشكّل الوعي المبني على الايمان، لدى الشهيد فتحي الشقاقي، من خلال العمل والانخراط في حركة التاريخ أولا، ومن هنا، كان تركيزه، مع أخوانه، على الفعل المقاوم بعد عودتهم من مصر، حيث أكملوا دراساتهم الجامعية وبنوا الإطار التنظيمي الأول لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين. ويتشكّل أيضا من خلال اللقاءات والنقاشات والقراءات المتعددة، في كافة المجالات التي تهم الانسان اليوم.

يشهد الكثير ممن عايش الشهيد الدكتور الشقاقي أنه كان يتابع الأخبار، ويطالع ويقرأ الصحف والمجلات والكتب، ما كان يمكّنه من النقاش مع جميع التيارات الفكرية والسياسية، وكتابة المقالات والدراسات وإلقاء المحاضرات، لكن مسألة الوعي لديه كانت أكثر وأكبر من هذه المتابعات والقراءات، لأنه كان محورها. الوعي هو "منهج عمل تربوي وسياسي" كما يقول أحد أخوانه، ومن خلاله، يتم تعميق المعرفة بتاريخ الصراع في المنطقة. يركّز الشهيد على الوعي الذاتي: من نحن؟ ماذا نريد؟ والى أين ذاهبون؟ وعلى الوعي الموضوعي، أي معرفة العالم الذي نعيش فيه، والصراعات بين الأمم والدول، ومكانة الصراع على فلسطين، وكيف يعمل الأعداء على التغلغل في مجتمعاتنا والسموم التي يبثها لمتزيقها، لمعرفة كيفية مواجهتها والتصدي لها، والأسباب التي تقف وراء عدائهم لشعوبنا.

لم يكف مثلا الأعداء من إثارة مسألة المرأة في المجتمعات الإسلامية، ومنعها من القيام بدورها الاجتماعي والسياسي إلا ضمن شروطهم الفكرية ونظرتهم الاستعلائية، وكان الشهيد قد ناقش هذه المسألة وبيّن زيف الادعاءات الغربية، مؤكدا أن مقولة "تحرير المرأة" في الغرب تعني تحرير المرأة من دينها وثقافتها ومجتمعها، لتحويلها الى أداة تعمل من أجل تغلغل الأفكار الغربية الهدامة في مجتمعنا وإعاقة تحرير المجتمع والأمة من الهيمنة. كما تطرّق الى هذا الموضوع القائد الراحل رمضان شلح، الأمين العام السابق لحركة الجهاد الإسلامي والقائد زياد النخالة، الأمين العام الحالي، الذي أشاد بدور المرأة الفلسطينية الريادي في بث الروح الثورية في المجتمع، من خلال تمسكها بدينها وثقافتها الأصيلة، وهي المقاتلة والأسيرة والشهيدة وأم الشهداء وركن أساسي في المجتمع المقاوم.

من خلال ربطه القضية الفلسطينية بالأمة وقضاياها، وجعلها القضية المركزية لديها، سعى الشهيد الشقاقي الى بث الوعي في شعوب الأمة بهذه القضية لتكون محور سعيها الى التحرر من الهيمنة الأجنبية، مهما كانت هذه الهيمنة، فكرية أم اقتصادية أم سياسية. لذلك، ساهم في تشكيل الأطر الوحدوية التي قد تبث هذا الوعي لاستنهاض شعوب الأمة وتجاوز الحالة "العاطفية" إزاء فلسطين والقدس والمسجد الأقصى، ليكون الوعي أساس فهمها وتحركها، وربط وضعها الداخلي بالصراع على فلسطين، من خلال رفض تطبيع العلاقات مع العدو ومواجهة النهب الأجنبي لخيراتها وقوة عملها، حيث ان التطبيع ونهب الخيرات هما وجهان لعملة واحدة.

اليوم، في فلسطين والعالم العربي والإسلامي، يحمل أبناء حركة الجهاد الإسلامي ومناصروها فكر الشهيد الشقاقي في المسيرات التي تجوب المدن والمخيمات، حيث يطلقون الشعارات التي أسست فكره وعمله المقاوم، مثل "الايمان والوعي والثورة"، وفي السجون حيث يلهم فكره الأحرار ويحثهم على "الواجب قبل الإمكان" ليحفروا الأنفاق ويربكوا العدو، ويرفعون صوره في كل المناسبات، للتأكيد على أنهم يسيرون على هذا النهج الذي يربط العالم العربي والإسلامي بفلسطين والذي يحث على قتال العدو الصهيوني الى أن يرحل عن فلسطين، كما أكّد القائد زياد النخالة، قبل أسابيع، مرددا "سنقاتلكم على مدارالوقت، وسنقاتلكم على كل شيء، سنستمر بالقتال حتى ترحلوا". هذا هو إرث الشهيد الشقاقي اليوم في الميدان.

 

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/186262

اقرأ أيضا