وكالة القدس للأنباء - محمد حسن
واجهت "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين – الأونروا"، خلال فترة عملها في إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، والمتواصلة منذ ما بعد نكبة العام 48، العديد من الأزمات المالية، بسبب تخلف بعض الجهات المانحة عن دفع مستحقاتها السنوية، إلا أن ما تواجهه الأونروا هذه الأيام يتجاوز في مضامينه ومعانيه البعد المالي، وخاصة بعد بدء الحملة التي تقودها الإدارة الأميركية ضد الوكالة الدولية، والتي ترجمت بتقليص المساعدة الأميركية السنوية لها، ابتداء من كانون الثاني الماضي، وهو ما تسبب في زيادة واضحة في تقليص حجم خدماتها التي تقدمها للاجئين الفلسطينيين في مختلف مناطق عملياتها.
وتُعتبر أزمة "الأونروا" سياسية بامتياز، لكونها تستهدف الانقضاض على المؤسسة الدولية وصولا لإنهاء عملها ووجودها، ترجمة لمواقف الإدارة الأميركية التي دعت لعدم توريث صفة اللاجئ، لأبناء اللاجئين الفلسطينيين الذين هجروا في العام 48، واقتصار خدماتها على من تبقى من أولئك اللاجئين فقط. الأمر الذي يفضي في النتيجة إلى إلغاء "الأونروا" التي تعتبر الشاهد الدولي على نكبة الفلسطينيين، وعلى مسؤولية العصابات الصهيونية على المجازر التي ارتكبت بحقهم وأدت للتهجير القسري. وهو الهدف الذي سعت لتحقيقه سلطات الاحتلال الصهيوني منذ عقود عدة.
ونتيجة لهذا العجز المالي المفتعل من قبل الإدارة الأميركية وبعض الدول الملحقة بها، تقلصت الخدمات (إلى حدودها الدنيا) التي تقدمها الأونروا في مناطقها عملها الخمس: الأردن، سوريا، لبنان، الضفة المحتلة وقطاع غزة المحاصر، والتي ستنعكس حتما على كل خدماتها المتبقية، وهو ما يهدد بإغلاق المدارس ووقف القطاع الصحي والخدمات التي تقدم للعائلات الأكثر فقرا في وسط اللاجئين الفلسطينيين، وبخاصة في قطاع غزة.
وبهدا الصدد، قال منسق الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف، خلال اجتماع لمجلس الأمن لبحث الأزمة الإنسانية في غزة، إن الـ«أونروا» ستخفض بعد أسابيع، من مساعداتها العاجلة لغزة والمناطق الأخرى.
ولفت إلى أن الوكالة الدولية سترجئ دفع رواتب موظفيها وخصوصاً في قطاع غزة، وتعليق تقديم خدمات أساسية مثل الصحة والتعليم، وذلك خلال شهري تموز/ يوليو وآب/ أغسطس المقبلين.
بالإضافة إلى تردي الخدمات الصحية والمعيشية التي كانت تمنحها "الأونروا" للاجئين الفلسطينيين بسبب الأزمة المالية التي تعاني منها، فإنها تفرض أيضاً حالة من القلق على المستقبل التعليمي لأبناء اللاجئين وسط خشية من احتمال تأجيل الوكالة للعام الدراسي.
وتبرز في مثل هذا الوقت من كل عام، مظاهر الابتهاج جلية على وجوه الأطفال وهم يستعدون لاستقبال العام الدراسي الجديد، لكن في هذه السنة، تبدو الأمور مختلفة بشكل كبير، وذلك في ظل الأزمة المالية المفتعلة التي تعصف بوكالة "الأونروا" وتهدد بحرمان نحو 700 ألف طالب فلسطيني من حقهم في التعليم.
وتقول "الأونروا" إن سبب أزمتها انقطاع الأموال من المانحين، فيما يقول الفلسطينيون إنها أزمة تتجاوز الجانب المالي إلى السياسي، حيث أن المستهدف هو تصفية هذه المؤسسة، ما يشكل تمهيدا للأرض لتمرير "صفقة القرن" التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية برمتها.
ومع أن الوكالة قامت بالفعل باستدعاء المعلمين للتحضير للعام الدراسي الجديد بشكل معتاد، فهي لم تقرر بعد إن كانت ستؤجل السنة الدراسية بسبب الأزمة المالية أم لا، وذلك بالرغم من التحذيرات الفلسطينية من مغبة هذه الخطوة وآثارها على جيل كامل من الطلاب، وعلى المعلمين المعرضين للانضمام إلى قوائم العاطلين عن العمل.
وقالت مصادر صحفية، إن "الأونروا" بصدد تنظيم ورشة عمل في مقرها في بيروت في 26 الجاري، تشارك فيها كافة الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية لوضعهم في واقع الأزمة المالية التي تعانيها الوكالة، والإجراءات والتدابير التي تقوم بها لترشيد الإنفاق وللتخفيف من انعكاس هذه الأزمة على خدمات وتقديمات الوكالة للاجئين.
وفي السياق، تتجه الأنظار مرة جديدة الى مؤتمر الدول المانحة الذي يُعقد في 25 الجاري في نيويورك بالولايات المتحدة، والذي ينتظر أن يخرج بتعهدات مالية جديدة لدعم استمرارية عمل وخدمات الوكالة لعام جديد.
ويأتي انعقاد هذا المؤتمر في إطار سعي المفوضية العامة لـ"الأونروا" لتحشيد المزيد من الدعم الدولي للوكالة بعد قرار الإدارة الأميركية تعليق القسم الأكبر من مساهمتها في تمويل الوكالة، وما أعقبه من حملة «الكرامة لا تقدر بثمن» التي أطلقها المفوض العام لجمع ما يعوض المساهمة الأميركية ومن مؤتمرات دعم أبرزها مؤتمر روما في آذار الماضي والذي نجح في حشد 100 مليون دولار لسد جزء من عجز الوكالة، حيث تأمل الوكالة في تأمين مبلغ 250 مليون دولار هي قيمة العجز الحالي لنهاية العام الجاري.
من جهته، أكد المفوض العام لـ«أونروا»، بيير كرينبول، أن "الأونروا" بحاجة لدعم بقيمة 250 مليون دولار للحفاظ على تقديم خدماتها الأساسية والمساعدات الطارئة، حتى نهاية العام الحالي. مشيراً إلى أن هذا العام كان الأصعب بالنسبة لـ"الأونروا".
وأشار كرينبول خلال اجتماعات اللجنة الاستشارية لـ«الأونروا» في الأردن، إلى أنه في حال استمرت الأزمة، فإن ذلك سيضع مسألة التحاق الطلاب بمدارسهم على المحك، ومعها خدمات الرعاية الصحية التي تقدمها الوكالة في 58 مخيماً للاجئين.
ويؤدي التراجع في حجم تبرعات الدول المانحة لـ"الأونروا"، إلى اضطرار الأخيرة لتقليص منسوب الخدمات (المقلصة أصلا) المقدمة للاجئين الفلسطينيين أو وقفها كلياً، مما يؤدي إلى تضاعف الأعباء على اللاجئين الفلسطينيين، الذين هم في الأصل يعانون من شظف المعيشة وارتفاع نسبتي الفقر والبطالة.
