وكالة القدس للأنباء – خاص
"انتفاضة القدس" تدخل شهرها الخامس، على وقع تصعيد غير مسبوق في عملياتها وأدائها، ما أذهل العدو، وفرض عليه المزيد من الخوف والقلق والحيرة، وأربك كل مشاريعه وخططه وبرامجه.
قدمت هذه الإنتفاضة بالدم، نماذج فريدة لعزيمة شعب يرفض الذل واليأس، ويصر على التحرير.
معظم الإعلام العربي لم ير المشهد على حقيقته، وظل رهينة غرقه في وحول الصراعات الداخلية والحروب الجانبية والفتن، بل الأدهى أنه خلق اعداء وهميين، من دون الإلتفات إلى عدوه الحقيقي المتمثل بالكيان الغاصب!!
غياب الإعلام العربي عن ساحة الإنتفاضة، أعطى إعلام العدو الفرصة كاملة للإستفراد بالخبر وصياغته وفق أهوائه ومصالحه. فطمس الحقائق وأساء إلى المجاهدين. وللأسف الشديد فإن بعض هذا الإعلام العربي وبدلاً من أن ينبري للتصدي لإعلام العدو سايره بل وأيده في بعض ما ذهب إليه، فوصف المجاهدين بـ "الإرهابيين"، ودان عملياتهم لأنها "اعتداء على المدنيين"، معتبراً وداع الشهداء بأنه "مسيرة جنازات"!!
اسهامات هذا الإعلام العربي إن حصلت، تكتفي بإدراج أخبار الإنتفاضة في آخر سلم البث المرئي أو وسائل النشر الأخرى، فالأولوية دائماً لأولي الأمر الممولين والسلطات المشرفة، والتي تنحصر في الترويج لسياسات الخلافات والمعارك الهامشية.
معظم الإعلام العربي الرسمي اليوم، وفي غياب التعامل الجدي مع قضايا الأمة المصيرية، يركز على البرامج الترفيهية والتسلية البسيطة أو المبتذلة أحياناً، لأخذ الجمهور إلى مكان آخر، وحرف الأنظار عما يجري في الداخل الفلسطيني.
ويضيف هذا الإعلام إلى مآثره، استضافة شخصيات صهيونية لتقديم صورة "وردية" عن تطلعاتها ورغبتها في القضاء على الإنتفاضة، بدل اجراء حوارات مع أهالي الشهداء والمرابطين في الاقصى المدافعين عن شرف وكرامة الامة.
هذا الإعلام فقد حسه العروبي وبات "عبرياً" ، فهو لا يرى إعدامات جنود العدو للشباب والشابات الفلسطينيين عند الحواجز العسكرية، ولا يرى المطاردات والإعتقالات وقمع المصلين والإعتداءات على المسجد الأقصى، ولا يهمه معاناة الأسرى الفلسطينيين وعذاباتهم داخل أقبية التعذيب، فهو لا ينقل حتى تأثيرات الإنتفاضة على واقع واقتصاد ومستوطنات العدو، لأنه مشغول بأمور أخرى!
هذا الإعلام الذي يسمى تجاوزاً عربياً، وبهذا الأسلوب الرديء، يعمل بشكل أو بآخر على إحباط الهمم من خلال اعتبار الإنتفاضة "جهداً بلا سقف" أو أنه "عمل صبياني"، داعياً إلى ضرورة وقف المقاومة واتباع نهج التسوية الذي أثبت عجزه وفشله.
الإنتفاضة التي تقلق وتخيف الصهاينة إلى حد باتوا فيه عاجزين على حماية أنفسهم، وجعلتهم ينامون ويحلمون بهواجس "الموت على فراش واحد"، حسب تعبير كاتبة صهيونية في صحيفة "جيروزاليم بوست"، ودب الرعب في نفوس رواد المطاعم وركاب الحافلات، وجعلتهم كـ "الجراد النطاط"، هذه الإنتفاضة أضاءت شعلة في ليل عذاباتنا وقهرنا وهزائمنا، ومن واجبنا كإعلاميين وغير إعلاميين أن نشحذ كل الهمم والطاقات لدفعها قدماً وتقديم كل العون اللازم لها كي تستمر وتتطور.
كفى هروباً من المسؤولية، وكفى لهاثاً وراء سراب المهازل السياسية، وكفى تقاعساً وكفى تلاعباً بذاكرة الشعوب، وكفانا غياباً عن قضايانا العادلة والمحقة، كفانا سعياً لاسترضاء عدونا من خلال التخلي عن قضيتنا الأساس.
فبوصلة فلسطين وحدها هي التي تجمع، وهي القادرة على تصويب المسارات، وتجنيد كل الإمكانات والطاقات لتوحيد الأمة، وتعمل على خلاصها من كل الرواسب والضغائن.
هل يستفيق الإعلام العربي من سباسته للقيام بدوره وواجبه إزاء القضية والشعب الفلسطيني، أم أنه سيظل مغيباً في متاهات الضياع؟
سؤال ينتظر زوال الغشاوة.