وكالة القدس للأنباء – ترجمة
في العام 2016، ومع قرب نهاية فترة ولاية الرئيس الأمريكي (السابق) باراك أوباما، كان ثمة شعور قوي مجمع عليه تقريبًا في المجتمع الأمني الدبلوماسي في "إسرائيل" بأن الوضع "لا يمكن أن يزداد سوءًا". ذلك أن أي شخص يمكن انتخابه سيكون بالتأكيد أكثر انفتاحاً على دولة "إسرائيل" من الناحية الاستراتيجية. كان هذا الشعور ناجمًا عن العداء والازدراء غير الخفيين بين أوباما ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فضلاً عن الخلافات بين واشنطن والقدس بشأن المعاهدة النووية الإيرانية، واتهامات "إسرائيل" "بالتخلي" الأمريكي عن العراق في العام 2011، ما مكن "الدولة الإسلامية" من تأسيس "الخلافة الإسلامية" هناك.
تشمل قائمة النزاعات أيضاً التنازل عن سوريا لرئيس الوزراء الروسي [حينها] فلاديمير بوتين، وعدم وجود استجابة كافية لاستخدام الأسلحة الكيماوية من قبل نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وبشكل عام مقاربة القوة الناعمة، التي اعتبرتها القدس غير مناسبة للشرق الأوسط، وهو المكان الذي تتشكل فيه الحقيقة من خلال القوة، وفقاً لحكومة "إسرائيل".
انتخاب الرئيس دونالد ترامب ونظرته المبكرة إلى بنيامين نتنياهو كمعلم استراتيجي، والتخلي عن المعاهدة النووية، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بالسيادة "الإسرائيلية" على مرتفعات الجولان - كل ذلك خلق شعورًا في بداية فترة ترامب ببداية عصر ذهبي، وأن لـ"إسرائيل" ورئيس وزرائها تأثير استراتيجي غير محدود على واشنطن.
الأهم من ذلك كله، بدا أن الزعيمين كانا يعملان بالتنسيق سوياً من أجل إرغام إيران على الجثو على ركبتيها وإبرام اتفاق نووي جديد أكثر تقييدًا يحول دون أية إمكانية لتطوير إيران لأسلحة نووية مستقبلاً. بل كانت هناك تلميحات إلى أنه في أعقاب العقوبات التي ستشل طهران، سيعمل الزعيمان على استبدال نظام آيات الله بحكومة واقعية ومعقولة.
ومع ذلك، اتضح، في الأشهر الأخيرة وبخاصة في الأسابيع الأخيرة، أن العصر الذهبي لم يدم طويلاً، وأن سياسة ترامب الجديدة تتطور، وبأنها سياسة تنطوي على انعطاف قدره 180 درجة يتعارض مع مصالح "إسرائيل".
للوهلة الأولى، يبدو ذلك مستنداً إلى القول المأثور "إذا لم تستطع التغلب عليهم، انضم إليهم". كانت أولى علامات التحول الحاد هي الكشف عن محاولات، ولا أقول استجداء، الرئيس الأمريكي للقاء الرئيس الإيراني حسن روحاني أثناء إرسال إشارات - تم رفضها - بأن الإدارة كانت على استعداد لرفع العقوبات كتدبير لبناء الثقة قبل مفاوضات معاهدة نووية جديدة.
ثم جاء الضعف الأمريكي في الرد على الهجوم على حقول النفط في المملكة العربية السعودية، أهم حلفاء واشنطن في الخليج. في الأيام القليلة الماضية، اتضح أن إدارة ترامب ليست لينة مثلما كانت إدارة أوباما فحسب، بل إن الرئيس قرر أن يدير ظهره للأكراد في شمال شرق سوريا، والسماح للرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالهجوم عليهم، على الرغم من أن الأكراد لعبوا مؤخرًا دورًا مهمًا في العمليات الأمريكية ضد (تنظيم) "الدولة الإسلامية" في هذه المنطقة.
يضاف إلى ذلك فشل ترامب في التوصل إلى اتفاق مع الطاغية الكوري الشمالي كيم جونغ أون (على حد زعم الكاتب)، الذي لجأ إليه بشدة. أعلن كيم أنه يجمد المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد أن أطلق جيشه صاروخين باليستيين في المياه قبالة اليابان، وهي حليف جلي آخر لواشنطن.
إن الانقلاب في مقاربة الإدارة الأمريكية يمثل معضلة أمنية معقدة وغير مسبوقة بالنسبة لـ"إسرائيل"، ولا سيما أنها تأتي خلال فترة حكومة انتقالية، يرأسها رجل يهتم بمشكلته القانونية. هذه المعضلة لها العديد من المكونات التي يجب أخذها في الاعتبار.
في ما يتعلق بالردع، أظهرت عملية إيران في المملكة العربية السعودية قدرتها على الضرب بدقة دون أن تعلن عن مسؤوليتها. هذا يعني أنها قادرة على القيام بعملية مماثلة ضد "إسرائيل". يمكنها أن تفعل ذلك، على سبيل المثال، من الأراضي العراقية وتزعم، بالطبع، أن هذا الفعل تم تنفيذه من قبل الميليشيات المحلية ردًا على الهجمات ضدهم المنسوبة إلى "إسرائيل".
مثل هذا السيناريو يفاقم أيضاً المعضلة المتعلقة بمنع هجوم العدو. من الآن فصاعدًا، يجب على "إسرائيل" أن تأخذ في الاعتبار أن الوضع الحالي، ألا وهو عدم وجود رد إيراني على الهجمات التي تنفذها "إسرائيل" منذ عدة سنوات – التي يطلق عليها "الحملة بين الحربين" - لمنع ترسيخ وجود إيران الاستراتيجي في سوريا، وعلى ما يبدو في العراق كذلك، من المرجح أن يتغير. هذا صحيح بشكل خاص في ضوء التغيّر في شراكات ترامب وقدرة إيران على العمل بدقة وسرية.
السؤال هو: ما هي الوسائل التي تملكها "إسرائيل" لمواجهة إيران في حال كانت تعمل على تغيير قواعد اللعبة، بالنظر إلى ضعفها الداخلي الحالي ومصلحتها الواضحة بعدم الانجرار إلى حرب شاملة لا تتلاءم مع شروطها. بطبيعة الحال، يطرح السؤال الآن حول ما تفعله "إسرائيل" لمنع تقدم إيراني إضافي نحو القدرة النووية. ويأتي ذلك في غياب المعاهدة النووية التي أطلقها أوباما، والتي ألغيت بتشجيع "إسرائيل"، وفي ضوء الضعف الكبير لأدوات النفوذ الأمريكية بشكل خاص والنفوذ الدولي بشكل عام.
العنوان الأصلي: Bibi’s Party With Trump Is Over
الكاتب: Haim Tomer*
المصدر: هآرتس
التاريخ: 16 تشرين الأول / أكتوبر 2019
*الكاتب هو رئيس سابق لشعبة المخابرات والعمليات في "الموساد".