وكالة القدس للأنباء - خاص
يواصل اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، حِراكهم الشعبي ضد تقليصات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، التي طالت مؤخراً ملف الإستشفاء، حيث كبّدتهم هذه التقليصات تحمّل أعباء مالية لا طاقة لهم بها، وجعلتهم يُبدون قلقهم من حقيقة الأسباب الكامنة وراء أزمة "الأنروا".
ففي حين تؤكد الوكالة أن الأزمة مالية بحتة، يُبدي اللاجئون قلقهم من وجود أسباب سياسية وراءها تهدف إلى إنهاء حق العودة، وتصفية قضية اللاجئين، بينما تشدد "الأونروا" أنها لن تتخلى عن أي لاجئ، ولن تُقدِم على انتهاك حقوقهم:
حراكٌ شعبي مستمر
الفصائل الفلسطينية، واللجان الشعبية، كان لها دوراً بارزاً في الحِراك الشعبي ضد التقليصات، حيث نظمت العديد من الإعتصامات أمام المكتب الرئيسي لـ "الأونروا" في بيروت، احتجاجاً على التقليصات.
القيادي في حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، أبو وسام منور، قال إن الفصائل اتّخذت قرارها بالتحرك، "ولن تتراجع عنه حتى تتراجع الأونروا عن القرارات المجحفة التي اتخذتها".
وتابع:" هذه القرارات طالت مختلف الأصعدة في ملف اللاجئين بلبنان، كملف نهر البارد، وملف الطوارئ، وملف الإغاثة، وملف التّعليم وآخرها ملف الإستشفاء".
بدوره قال مسؤول الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة- أبو عماد رامز لـ "وكالة القدس للأنباء" إن التحرك يأتي في سياق البرنامج المتكامل الذي وضعته اللجان والفصائل الفلسطينية للوقوف بوجه سياسات الأونروا"، مؤكداً أن الحِراك سلمي.
وأكّد أن التحرك يهدف لرفع صوت اللاجئ أمام المجتمع الدولي "الذي يقف وراء حجب الأموال عن "الأونروا" ليستهدف حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وشطب هذا الملف برمته متسابقاً بذلك مع الكيان الصهيوني وما تسعى إليه الإدارة الأمريكية من خلال عملية سياسية واضحة تفضي إلى توطين اللاجئين، أو تهجيرهم".
ويرى رامز أن سياسة "الأونروا" تدفع باتجاه وضع ملف اللاجئيين في عهدة الدولة اللبنانية سواء في، الإستشفاء، والتعليم، والطبابة، وكل العناوين الأخرى، "وهذا بتقديري لا طاقة للدولة اللبنانية به، والهدف الآخر هو وضع الشعب الفلسطيني في مواجهة الدولة اللبنانية وهذا ما نسعى إلى منعه مطلقاً كفلسطينيين".
وأوضح أمين سر حركة "فتح" في بيروت، العميد سمير أبو عفش، أن "التحرك مستمر بوجه سياسات التقليص وسوف يأتي بنتيجة"، داعياً الدولة والأحزاب اللبنانية للمشاركة بفعاليات الحراك السلمية ضد "الأونروا" "لأن المقصود من هذه السياسة هو تحميل الدولة اللبنانية عبئاً إضافياً لا تستطيع تحمله".
واعتبر ممثل حركة "حماس" في منطقة صيدا، أبو أحمد فضل، أن " الأونروا هي الشاهد الوحيد على نكبة الشعب الفلسطيني، "ونحن متمسكون بها لأنها ملزمة بتقديم الخدمات لشعبنا إلى حين عودته إلى وطنه، كما أننا مستمرون في تحركاتنا حتى تحقيق كل المطالب سلة واحدة".
الأونروا: الأزمة غير سياسية
المفوض العام لـ"أونروا"، بيير كرينبول، نفى وجود مؤامرة سياسية خلف التقليصات، أو نيّتها إلغاء دورها، والتخلَي عن مسؤولياتها تجاه اللاجئين، والتوقف عن ممارسة نشاطها، مؤكداً أنها لن تتخلى عن اللاجئين الفلسطينيين.
وشدّد على أن الوكالة ستستمر في تقديم خدماتها، وأنها تحترم حقوق اللاجئ الفلسطيني، وتابع: "تشكل وكالة الأونروا الشاهد التاريخي للإجحاف الذي تعرض له اللاجئون الفلسطينينيون عندما طردوا من أرضهم في عامي 1948 و1967 وتأخذ الوكالة هذا الدور على محمل الجد".
وبخصوص ملف الاستشفاء، بيّن كرينبول، خلال مؤتمر صحافي، الأسباب التي أدت إلى إتباع "الأونروا" التقليصات الجديدة، مشيراً إلى أن هذه السياسة تحمل في طياتها منافع عديدة، وأن هذه السياسة عينها المطبّقة في الأقاليم الخمسة لنطاق عمل الوكالة.
وقال:" توفر الوكالة الرعاية الصحية من المستوى الأول عبر عياداتها السبع والعشرين، وهي مجانية كلياً، وهذه التغيرات التي دخلت على السياسة، والقاضية بتحميل اللاجئ نسبة 20% من تكلفة الطبابة، وهي ستسمح لنا بتحسين تغطية الخدمات الإستشفائية من المستوى الثالث، سيما في معالجة الأمراض المزمنة".
وأضاف:" وهذا الطلب وصلنا إلى الوكالة منذ وقت طويل.. إذاً هذه السياسة المعدّلة تسمح لنا بتحسين تغطية معالجة الأمراض المزمنة، وسنأخذ بعين الاعتبار حالات المرضى الذين لن يتمكنوا من تغطية الفرق (20%)".
وتابع قوله "سنصل إلى حلول لمعالجة هذه الحالات، وأنا شخصياً بصفتي مفوّضاً عاماً ألتزم بعدم التخلي عن أحد، ولن أسمح لأي مريض بأن يتعذب بسبب هذه التعديلات".
وأرجع المفوض العام، التقليصات إلى ما نجم عن مؤتمر لندن العام الماضي، حيث أن الأموال التي جمعت على إثره من الدول المانحة خصصت للاجئين السوريين، والنازحين الفلسطينيين من سوريا، "بالتالي قد لا نتمكن من استخدام هذه الأموال في تغطية تكاليف أخرى".
وقال:"علينا أن نعمل على لَفت الانتباه إلى قضية اللاجئين الفلسطينين المقيمين في لبنان، فهذا العام كان التركيز على سوريا، وفي العام الماضي ركّزت الأنروا عملها على غزة، ونأمل بأن يتم التركيز على ملف اللاجئين الفلسطينيين لتحسين أوضاعهم".
الدولة اللبنانية لا طاقة لها
رئيس لجنة الحوار الفلسطيني الفلسطيني، د.حسن منيمنة، يرى أن الحديث عن أن "الأنروا" تسعى من خلال تقليصاتها إلى وضع ملف اللاجئين الفلسطينيين في عُهدة الدولة اللبنانية، أمر غير واقعي، "فالدولة اللبنانية لديها موقفاً قاطعاً، بأنها لن تتحمل أعباء يجب أن تتحملها "الأنروا"، والمجتمع الدولي تجاه الشعب الفلسطيني".
واعتبر منيمنة في حديث لـ"القدس للأنباء"، أن المسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي، "فعليه إما أن يجد حلاً بعودتهم، لأرضهم أو أن يتحمل تكاليف إغاثتهم، لأنه مسؤول عما آل إليه الشعب الفلسطيني من تشرد ولجوء".
وحول حقيقة الأزمة، قال "لا شك أن هناك أزمة خانقة بعد التقليصات، ولكن الأمر يتطلب معاملة جديدة من قِبل "الأونروا" واللاجئين الفلسطينيين، وذلك بعقد حوار للوصول لحلول منطقية تحفظ للفلسطينيين حقوقهم التي يجب على الوكالة تقديمها لهم، بما يؤمّن أيضاً ضبط الأمور داخل "الأونروا"، ويعمل على إيجاد مصادر تمويل إضافية".
ورجح منيمنة، أن يكون عدم كفاية أموال الدول المانحة لتأمين الحاجات للمنتفعين من الوكالة، السبب الرئيسي وراء التقليصات، حيث رفضت هذه الدول زيادة نسب مساهمتها في دعم "الأنروا".
وأردف قائلاً :"يبدو أن اللاجئين متخوفين من سلسلة خطوات داخل الوكالة، قد تتخذها لاحقاً وتتمثل بتقليصات إضافية في مجال الصحة، والمدارس كزيادة عدد الطلاب .. هذه جملة قضايا يجب دراستها والوصول لرؤية موحدة لحلها".
واعتبر منيمنة، أن اللاجئ المعدم الذي ليس لديه مصادر دخل، على "الأونروا" إيجاد صيغة لإعفائه من دفع التكاليف اللازمة لعلاجه، مبيناً أنه من المثمر إعادة توفير أشكال من الضغط دون المساس بمصالح الفلسطينيين.
"الأنروا" التي حاولت حل المشكلة على حساب اللاجئين الفلسطينيين، خلقت أزمة جديدة، في حين أن الحِراك الشعبي الذي تشارك به الفصائل الفلسطينية في لبنان يصرّ على المضي في الإحتجاج ضد سياسة التقليصات.
في ظل هذه الصورة، فهل ستدور الأزمة في حلقة مفرغة، أم أن الإحتجاجات قد تتخذ وجهةً جديدة في ظل عجز "الأنروا" عن إيجاد حل؟.