/منوعات/ عرض الخبر

ما وراء الحرب‮.. ‬إعادة تصور النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط الجديد

2015/01/02 الساعة 10:53 ص

 Beyond War:  Reimagining the American influence in a new Middle East,
David Rodhe, (New York: Penguin Books , 2013)

 
 
أثبتت السنوات التي تلت الحرب التي شنتها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق‮ "‬جورج بوش‮" (‬2000‮- ‬2008‮) ‬على الإرهاب بؤس وضآلة النتائج التي خلفتها تلك الحرب على نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط،‮ ‬واستقرار النظم الداعمة لها‮.‬ فالحرب لم تؤد إلا إلى مزيد من الاضطراب في المنطقة، ودخولها في حرب طائفية باردة‮. ‬ثم جاء ثورات وانتفاضات ما عرف بـ‮ "‬الربيع العربي‮"‬، وما أثارته من حروب أهلية،‮ ‬واضطرابات سياسية واسعة النطاق وبعيدة المدى، لتثبت مدى خلخلة الأوضاع في المنطقة، وعدم قدرة واشنطن على التحكم في مسارها‮.  ‬وقد دفع هذا المحللين والكتاب الأمريكيين لمحاولة إعادة تأطير السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط الجديد‮. ‬إحدى هذه المحاولات يمثلها كتاب ديفيد رود‮ "‬ما وراء الحرب‮".‬
 
مؤلف الكتاب، ديفيد رود، صحفي وكاتب أمريكي‮ ‬غطى حروب الولايات المتحدة في المنطقة‮.‬ وفي عام‮ ‬2008،‮ ‬أثناء تغطيته العمليات العسكرية في أفغانستان،‮ ‬تعرض للخطف،‮ ‬وظل محتجزا لمدة تزيد على سبعة أشهر،‮ ‬حتى استطاع الهرب من خاطفيه‮.‬ وقد وثق لخبرة الاختطاف والهروب في كتابه‮ "‬حبال وصلاة‮ ‬Rope and Prayer‮"‬، وفد أضفت هذه الخبرة طابعا واقعيا عن المنطقة‮.‬
 
سياسة الارتباط البناء في الشرق الأوسط‮:‬
يصف رود كتابه بأنه محاولة لوصف‮ "‬منهج أمريكي أكثر فعالية وبرجماتية للتعامل مع العالم الإسلامي‮". ‬ويرى‮ "‬أن الاقترابات الأكثر اقتصادية وأقل عسكرية سوف تحقق نتائج أكبر من تلك التي حققتها حربا أفغانستان والعراق‮. ‬فعلى الرغم من أن الضربات التي تقوم بها الطائرات دون طيار،‮ ‬والعمليات السرية قد تكون ضرورية، فإن الاستثمار في السياسات الاقتصادية والتعليم من شأنه أن يمثل سلاحا قويا،‮ ‬فعلينا أن نطور فهما أكثر تركيبا للمنطقة ولكيفية التعامل معها‮".‬
 
ويؤكد أن المنطقة الآن تزخر بشباب يتطلع إلي الوجه الآخر للوجود الأمريكي، فهو يريد منها أن تلعب دورا بناء في الاستثمار،‮ ‬والتعليم،‮ ‬والتجارة،‮ ‬والتكنولوجيا، خاصة أن استطلاعات الرأي العام في دول مثل مصر،‮ ‬وليبيا،‮ ‬وتونس تشير إلى إعجاب شعبي بالثقافة والتكنولوجيا الأمريكية، وفي الوقت ذاته لا يريدون أن يحكم الجهاديون المتشددون بلادهم‮.‬
 
الكتاب موجه بالأساس إلى صانع القرار الأمريكي، فالكاتب يؤكد أن إدارة أوباما في فترتها الثانية عليها أن تعتمد سياسة تحالف مع العرب والجنوب آسيويين الملتزمين بالقيم الديمقراطية،‮ ‬والمعارضين للعنف، ويجب أن يكون تركيز واشنطن على إيجاد سبل مستمرة لتقوية هذه المجموعات الديمقراطية على المدي الطويل،‮ ‬إذ إنها، لا الجنود الأمريكيين، تمثل السلاح الأكثر قوة وكفاءة في مواجهة الجهاديين والمتطرفين‮.‬
 
غير أن هذه العملية ليست بالسهلة، فالمشهد السياسي في هذه البلدان معقد للغاية،‮ ‬ويعج بالأحزاب والحركات ذات الاتجاهات المتنوعة‮.‬ لكن رود يعول على الأحزاب الإسلامية ذات الشعبية والمؤمنة بالانتخابات مثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر،‮ ‬وحزب النهضة التونسي‮. ‬وعلى الرغم من أن هذه الأحزاب ليست بـ‮ "‬المثالية‮" ‬بشأن الديمقراطية المطلوبة، فإنها مغايرة للجماعات السلفية العنيفة التي يعدّها‮ "‬أعداء‮" ‬الولايات المتحدة‮.‬
 
تقوم السياسة الأمريكية المرجوة‮ -‬طبقا لرود‮- ‬في المنطقة على ركيزتين،‮ ‬هما استهداف الجماعات المتطرفة، والتركيز على النمو الاقتصادي للمنطقة‮. ‬وتتميز المنطقة بأن‮ ‬60٪‮ ‬من سكانها تحت سن الثلاثين،‮ ‬وهو الأمر الذي يعني أنه بحلول عام‮ ‬2020،‮ ‬سيكون من الضروري توفير مئة مليون وظيفة عمل لشباب المنطقة، وهو أمر من ناحية يتطلب استثمارا كبيرا، ومن ناحية أخرى يمثل فرصة للارتباط البناء بالمنطقة‮. ‬ويرصد الكتاب أكثر من‮ ‬67‮ ‬مليار دولار أنفقتها الولايات المتحدة في مشروعات البنية التحتية والإعمار في أفغانستان،‮ ‬وباكستان،‮ ‬والعراق‮. ‬وبين عامي‮ ‬2001و2011،‮ ‬نفذت مشروعات لدعم المؤسسات،‮ ‬والصحة،‮ ‬والتعليم،‮ ‬والشرطة المحلية،‮ ‬والقضاء،‮ ‬ومؤسسات الحقوق المدنية في هذه الدول‮. ‬غير أن هذه المليارات وتلك الجهود كان لها نتائج هزيلة،‮ ‬إذ إن واشنطن في الوقت الذي كانت ترعى فيه هذه الجهود،‮ ‬تجاهلت حلفاءها،‮ ‬ولم تدعمهم بالقدر الكافي‮. ‬والأهم من ذلك أنها تجاهلت استخدام أسلحتها الأكثر فاعلية،‮ ‬وهي التكنولوجيا الأمريكية والاستهلاكية،‮ ‬والاستثمار الاقتصادي‮.‬
 
حلفاء المستقبل المحتملون‮:‬
يركز رود على السياسة الأمريكية في شمال إفريقيا،‮ ‬خاصة تجاه مصر،‮ ‬وليبيا،‮ ‬وتونس‮. ‬ويبدو أن معضلة العلاقة بين الإسلام والديمقراطية هي أخطر ما يواجه إعادة بناء هذه الدول من وجهة نظر الكاتب، وغيرها في العالم الإسلامي، بعد سنوات الثورة والاضطراب‮. ‬ويرى رود أن أحزابا مثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر،‮ ‬وحزب النهضة في تونس باستطاعتهما أن يحلا هذه المعضلة،‮ ‬من خلال اعتمادهما سياسة ديمقراطية في حكمهما في البلدين اللذين وصلا فيهما للحكم،‮ ‬حيث‮ ‬يستطيعان أن يجسرا الهوة بين الشباب المتعلم والمعولم والمؤمن بقيم الحرية والديمقراطية،‮ ‬وأن يدفعا بالمزيد من دمج هذا الشباب في العملية السياسية بما يوسع من قاعدة شرعية السلطة الحاكمة‮.‬
 
ومن ناحية أخرى، سيكون على إدارة أوباما أن تستثمر المزيد لدعم اقتصاد هذين البلدين بما قد يقضي علي أساب الاضطراب الدائم،‮ ‬والمتمثل في القهر السياسي،‮ ‬والحرمان الاقتصادي للأغلبية‮.‬
 
ويفرد رود فصلا عن ليبيا،‮ ‬فقد أسهمت واشنطن بفاعلية في إسقاط نظام القذافي، غير أنها لم تسع لملء الفراغ‮ ‬الناجم عن هذه العملية‮.‬ لقد استطاعت العناصر المتطرفة أن تملأ جزءا كبيرا من هذا الفراغ، وكان الهجوم الدامي الذي تم على السفارة الليبية في أواخر‮ ‬2012،‮ ‬ونجم عنه مقتل السفير الأمريكي كريس ستيفنز،‮ ‬علامة على انفلات الأمور في ليبيا‮.‬ وعلى الرغم من هذه الضربة،‮ ‬فلم تعالج واشنطن الموقف على نحو جدى، فظلت مرتبكة إزاء ما يحدث‮. ‬ويعزو رود هذا التعثر إلى أن الولايات المتحدة فشلت في تعزيز مقاوليها وهيئاتها الاستثمارية والتعاونية مثل‮ ‬USAID ‮ ‬في ليبيا بما تركها‮ ‬غنيمة في يد المتطرفين‮.‬
 
وعلى الرغم من أن كتاب رود يمثل جهدا مختلفا من حيث اقترابه وأهدافه لإعادة توجيه السياسة الأمريكية في المنطقة، فإنه قد وصل إلى نتائج سرعان ما أثبتت الأحداث عدم صحتها‮.‬ لقد اتضح مثلا أن الإسلام السياسي المعتدل الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين لم يكن بالديمقراطية التي تصورهم بها واشنطن‮.‬ لقد فشلت تجربة الإسلاميين بمصر،‮ ‬وأدى هذا الفشل إلى دخول البلاد في صراع سياسي لا‮ ‬يزال مستمرا‮.‬ أما إخوان تونس،‮ ‬فقد تراجعوا عن الاستئثار بالحكم،‮ ‬ولم ينجحوا في بناء‮ "‬تجربة حكم إسلامية‮".‬
 
ومن ناحية أخرى، تجاهل الكتاب العديد من الملفات الأخرى في المنطقة والمؤثرة في مستقبل النفوذ الأمريكي‮.‬ فالصراع الفلسطيني‮ - ‬الإسرائيلي يثبت في كل مرة قدرته على توليد الاضطرابات والحروب الدموية في المنطقة‮.‬ غير أن الصعود‮ ‬غير المسبوق للجهاديين في سوريا والعراق يثبت صحة دعوة رود واشنطن لأن تعيد بناء سياستها من جديد،‮ ‬مع دخول المنطقة في اضطراب‮ ‬غير معهود،‮ ‬وحروب‮ ‬غير معهودة في تاريخها‮.‬

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/68603

اقرأ أيضا