/منوعات/ عرض الخبر

مختارات لبسام حجار في ذكرى رحيله

2014/02/22 الساعة 05:58 ص

كأنّ فكرة البيت تصنعُ المساء
كأنّ فكرةَ الملحِ تصنعُ المائدة
في الذكرى الخامسة لرحيل الشاعر اللبناني بسام حجار، اختار الشاعر الفلسطيني طارق العربي مختارات من نصوص الراحل.
ولد بسام حجار في صور (جنوب لبنان) عام 1955.
توفي في بيروت 2/17/ 2009
لعل أبرز ما يميز شعر بسام حجار هوهذه القدرة على استلهام اليومي على نحوتبدومعه التجربة (الشعرية) تعبيراً عن علاقات وصور ذات ملامح محددة ومباشرة، إلا أن هذه العلاقات التي تتبادر إلينا من "أمكنة" خارجية مألوفة سوف تظهر في الغالب كارتدادات (مأسوية!) لما تنطوي عليه علاقتنا بالعالم. فالأشياء الصغيرة والعلاقات الجزئية تبدومهددة في مواضعها الرتيبة والمفاجئة في آن.
المائدة
- 1 –
نضعُ قلوبنا على الطاولة
عندما
نأتي في العزلةِ
كالخطايا .
-2 –
نغيبُ في ساعةٍ من الضحك
والأفكار
كأنّ فكرة البيت تصنعُ المساء
كأنّ فكرةَ الملحِ تصنعُ المائدة .
البئر
كلُّ هذا الهدوء لا يُخفي شيئاً
من الحكمةِ
أوالحزن.
فقط شخصانِ يتقابلانِ في ليلةٍ مُضجرة.
ينظرانِ إلى نقطةٍ في الهدوءِ الضيّق .
مُكعّباتُ الضوءِ التي تتراصفُ في الزجاجِ المحجّر
الوقتُ الذي يجفُّ على الطاولة .
الأسماءُ والمدنُ والصلواتُ التي
تيبسُ في الحلقِ وتنكسر.
شخصانِ يتذكّرانِ كم يرفعُ
جثّةَ الماءِ من البئر.
فقط شخصانِ يتقابلانِ
واحدهما يقعُ في صمتِ الآخر.
شتاء 2 ( إلى علوية صبح )
- 1 –
لن يذهبَ أحدٌ إلى موعدهِ
المياومونَ ألغوا الأرصفة
ومعهم الشتاء .
القادةُ أكثر بهجةً
حينَ قالوا : التوابيت
استراحاتُ الموتى والأصدقاء
-2 –
من يعرفُ الشتاءَ مثلي
لا يحزن
يجمعُ الحطبَ الذي في قلبهِ
يتدفّأُ
ويحترق .
-3 –
الشتاءُ ليسَ صعباً :
المطرُ والسعالُ ورأسُ السنة
إذن لا أفتحُ البابَ أوالنافذة.
لستُ سعيداً
العاصفةُ فقط .
-4 –
البرد؟
يكفي أن أشعلَ ناراً
في البيتِ
في الشارعِ
أوفي أروماتِ هذه البلاد.
يكفي أن أشعلَ الدفاترَ والصور التي أحبها
في آخرِ الليل .
البرد ؟
شعورٌ خاطئ .
-5 –
أعدُّ الشتاءاتِ لأعرفَ أينَ أصبحتُ الآن ؟
هيَ الثلاثونَ حقاًّ
صدّقيني
لا أعرفُ كيفَ وصلت .
-6 –
من النافذةِ لا أستطيعُ أن أعرفَ
هل الليل
قطعةُ بلّورٍ تُطفئُ نفسها .
من النافذةِ الأشياءُ ليست هي الأشياء .
ترى ؟
أم عيناكَ تهذيان.
الساعةُ الفارغة
لا رداءَ يمنعُ الغفوةَ والظلال
ينتظركَ صمتٌ
والشموعُ على المائدةِ
أعمقُ من بحر .
هل يكفي أن تُحبّهم
لكي لا تتبعكَ أرواحهم كالمصابيح ؟
لم يعد وقتٌ في ساعةِ الحائط
لا ثمرَ ينضجُ
لا شيءَ يموت
عند المفترق، بجانب الطريق
إنّي لا شيء
وحديثي عابرٌ،
مِثْلي،
بين عابرينَ،
لذلكَ
أتحدّثُ عنكَ
إنّي أتحدّث عنكَ
لا عن ظلّكَ الجالسِ ـ
وحيداً ـ
تحت سكون الشجرةِ
عند المفترَق
حيث أعمدة تلغراف قديمة منزوعة الأسلاك،
وعابرون يمرّونَ بِسَهْوِكَ
ولا يلتفتون
إنّي أتحدّث عنكَ
لا عن خيالك الماثل أمام عينيّ أومنامي
أتحدّث عنكَ
لا عن المصباح الذي يرفع الظلَّ إلى مصافِ الساحرات
اللواتي كُنّ
ظلالاً ماكرة
ولا عن الأعراقِ التي استخرجتها الأيدي الحاذقةُ
من جوفِ الأرض،
ولا عن المناجم التي كانت تُسمّى،
في حياةٍ أخرى،
مملكةُ الكدّ وأهراء الشقاء
لم يبق أحدٌ
لا أحد هنا سوى أنتَ
ملاذ الهَاجرين بيوتهم إلى الأبد،
لا أحد هنا،
وملاذُكَ أنتَ مثل هذا الأرق الطويلْ
لا أحد هنا يحبّ الحجَرَ
أويأنَس إلى برودتِه
وصمتِه
حتّى المناماتِ المُرعِبَةِ لم تُبقِ للحجَرِ معنىً
حتّى الشجرة العاقر
لم تثمر يوماً حصاة
(ليس الوعر أرضاً خلاءً بل أبصار موحشة، أولعلّه الدربِ الذي لا يسلكُهُ عابرون فتقطنه لكي تؤنسك نفسُكَ وتهتدي بكَ إليها كأنّكَ العلامة، كأنّك رسم شعابٍ لوهمٍ يقطن بقاعَ الوهم، وإذ يهتدي إليك مطارِد الأثر والرحّالة والضالّ والظامئ والمنهوك، يضعكَ لغزاً في كتابه لكي يفسّر المفسّرون سرَّك الخالي من المَكْرِ المغطّى بالفضول)
إنّي أتحدّث عنكَ،
بفصاحةِ التوهّمِ،
أنتَ
وحدك الحقيقي،
صامتٌ وباردٌ ومزهوّ بصمتِكَ وبَرْدِكَ،
أنتَ
وحدك الحقيقيّ
وإذا أعيتنا الحيلةُ في أمرِ موتانا
جئنا بتقوانا إليكَ
ورِعينَ، مُطرقينَ،
مضمومي الأيدي،
متوسّلينَ
أن تكون ملاذاً لذكرياتنا
وحسراتنا
وخشيتنا من كونكَ الملاذ الأخير
(نسيرُ قُدُماً إليكَ باحثين عن العلامة التي بك صارت نُصُباً، نضع باقاتٍ وتذكارات وصوراً، ونضيف حجراً إلى الحجرِ وحصاةً إلى الحصاة، ونترك خبزاً وماءً، ونعود فرحينَ من حيث أتينا لا نحمل لكَ وللموتِ ضغينةً)
إنّي أتحدّث عنكَ
ـ كما يتحدّث أحياءٌ عن أحياءٍ مثلهم ـ
وأتحدّث عن جوفِكَ
الذي هونارٌ خامدة،
نارٌ باردة،
عن ملمَسِكَ الخشِن الذي يشبه الضغائن الدفينة،
ملمَسِكَ المخادِع
الذي يسري خدراً في الجسم
إنّي أتحدّث عنكَ
أنتَ الحقيقي
فقط لويدكِ
لم أعُد أبكي حين أراقبُ المطرَ في ليلِ العالمِ الذي يتسعُ وراء النافذة . لم أعُد أرتجفُ خوفاً حينَ أستيقظُ في الليلِ وأرى أنني وحديو. بتُّ أرى الليلَ ظلاً ليديكِ، يغمرني ولا أضلُّ فيه والمصابيحُ ذكرى من لمستهما الخفيفة . كأنَّ ضوءً يتبعُ إيماءةَ اليدِ التي تمسحُ نومي بماءِ الدعةِ . وأعلمُ أنني بتُّ أبتسمُ كلما صادفتُ الوحشَ الذي كان يفترسُ الحديقةَ في حلمي الوحيد. الآن بتُّ أرى أن أفلاكاً تتقاطعُ في الخطوطِ التي تتلاقى في راحتكِ الزهرية . كأن السماء يرسمها خطانِ في راحتك؛ سماء قليلةٌ لكنها تكفي لكي لا يموتَ العالمُ من الوحشةِ، لكي لا تلسعهُ الأفعى. فقط لويدكِ كانت هناك.
 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/54107