يشرح كتاب "السلام المستحيل" لمؤلفه "مارك ليفين" كيف أن عملية السلام فكرة زائفة، وأن تحقيقه في الأراضي المحتلة يعتبر ضرباً من المستحيل، ذلك لعدم وجود مطالب مادية وملموسة يمكن تحقيقها بالنسبة للشعب الفلسطيني، أما بالنسبة إلى "إسرائيل" فإن فكرة السلام تم استغلالها وتوظيفها على يد حكومات "الليكود" و"العمل" المتعاقبة، من أجل إحكام قبضة "إسرائيل" على بقية الأراضي المحتلة .
تستهل أنوار عبد الخالق مترجمة الكتاب في طبعته العربية الصادرة عن المركز القومي للترجمة في مصر، الصفحات الأولى من الكتاب بقولها: "مادام لدينا نحن الفلسطينيين الرغبة في السلام والحلم بالعدل والحرية فإن بناء المستوطنات لابد أن يتوقف، السلام لا يمكن تحقيقه بينما تتم مصادرة الأراضي المحتلة، ولا يمكن أن تقرره البلدوزرات والأسلاك الشائكة، وسواء كان "الإسرائيليون" يريدون الاعتراف أو لا فإن من حق الفلسطينيين أن يقرروا مصيرهم".
يوضح مارك ليفين في كتابه كيف أجهضت "إسرائيل" ببراعة فائقة عملية قيام الدولة الفلسطينية عن طريق ما يسميه "مصفوفة التحكم" التي صممها ونفذها العلماء والقادة العسكريون في "إسرائيل"، بغرض التوسع في الاستيطان وليس من أجل السلام .
ومنذ حرب لبنان 1983، وخروج منظمة التحرير منه وحتى قبيل انتفاضة 1987، تم إهمال القضية الفلسطينية وتجاهلها، ومن ثم لم يكن غريبا أن تأتي الانتفاضة الفلسطينية الأولى 1987 باعتبارها تعبيراً عن غضب الشعب الفلسطيني، وكان من أهم نتائجها قرار الأردن في العام 1988 بفك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية، وهو ما يعني إخلاء الطريق أمام منظمة التحرير لملء هذا الفراغ السياسي .
وتشير المقدمة إلى أن الرئيس الأمريكي ريجان في بداية فترة حكمه، عندما سئل في مؤتمر صحافي عام 1981 عن رأيه بالنسبة للمستوطنات كانت إجابته أنه لم يكن موافقا عندما أشارت إليها الإدارة السابقة (إدارة كارتر) بأنها غير قانونية، وأصر على أن قرار الأمم المتحدة 242 يترك الضفة مفتوحة أمام الجميع: العرب و"الإسرائيليين" على السواء، كما أن ريجان رفض دعوة عرفات لانسحاب "إسرائيل"، قائلا إنه "لم يكن يعلم أن منظمة التحرير منتخبة من قبل الفلسطينيين".
وعندما وضع بوش خريطة الطريق أمام الطرفين كانت تبدو وكأنها لا تؤدي إلى شيء، وأصر الأمريكيون على أن المصدر النهائي لخريطة الطريق هو الأرض مقابل السلام، ويوضح مارك ليفين أنه لا أرض ولا سلام، خاصة بعد الانسحاب من قطاع غزة، ويصف الموقف بأنه اضطهاد عنصري زاحف، أسفر عن حقبة جديدة من الجغرافيا الناشئة بين "إسرائيل" وفلسطين، وهذه الفترة تبدو باعتبارها واحدة من أكثر مظاهر الإدماج الاستبدادي التي تبعت عقودا من أقوى صور الديموغرافيا الصهيونية والتوسع المكاني، والمحاولات المستمرة من أجل تهويد كامل الفضاء، وعلى الرغم من الشعارات الرنانة لعملية أوسلو فإنها لا تنهي الاستيطان "الإسرائيلي"، وبالتالي فإن أحلام "أوسلو" سوف تدفن بسبب الحرب الدائرة على مناطق صغيرة من الأرض في الضفة الغربية .
يضع مارك ليفين يده على الأسباب الحقيقية لفشل عملية السلام، ويؤكد أن مباحثات أوسلو لم تكن لديها أية فرصة لتحقيق السلام، وذلك لعدم وجود ضمانات حول القضايا المهمة، مثل المستوطنات والقدس وحق تقرير المصير بالنسبة للشعب الفلسطيني، وعن الجانب "الإسرائيلي" يكشف ليفين عن التخطيط الدقيق للساسة "الإسرائيليين" منذ العام 1967 لوضع خطط استعمارية طويلة الأمد، مثل خطة آلون لخريطة "إسرائيل"، التي نجحت الدولة العبرية بعد ذلك في تنفيذها عن طريق تخطيط منظم لبناء المستعمرات .
ويوضح ليفين كيف أن حكومات "الليكود" و"العمل"، وإن اختلفت، كانت متفقة على أن توسيع المستوطنات هو ضمان البقاء الأكيد للكيان "الإسرائيلي"، وإحكام قبضته تماماً على الأرض المحتلة، عن طريق ما وصفه في كتابه ب"مصفوفة التحكم" وتناول تفاصيل مباحثات أوسلو وأسباب فشلها لكي تخدم في النهاية نموذج الاستيطان الصهيوني الفريد الذي تمثله "إسرائيل"، والمتخفي وراء قناع السلام المستحيل أو السلام الزائف .
المصدر: الخليج