/منوعات/ عرض الخبر

المشهد الثقافي المصري عندما تغلب عليه السياسة

2013/10/11 الساعة 11:02 م

تشهد الحياة الثقافية المصرية مجموعة من العلامات الدالة على تشابك المشهد الثقافي مع السياسي، وتعقد ظواهره بعد التغييرات التي مرت بها مصر عقب ثورة ٢٥ يناير 2011. والعلامة الأبرز في هذا التشابك تتعلّق بتنامي شعور لدى الجماعة الثقافية المصرية بقيمة وزنها الرمزي في الصراع السياسي الدائر في مصر الآن بعدما جرى تمثيلها في اللجنة المكلفة تعديل دستور 2012 بخمسة أعضاء من أصل خمسين. واستندت الجماعة الثقافية في تبنيها هذا التصور إلى فاعلية دورها في الاحتجاجات التي نُظّمت بهدف إقالة وزير الثقافة السابق علاء عبد العزيز، الذي تبنّى جملة قرارات عبرّت عن سياسة ثقافية تقوم على الإقصاء وتقليص الموازنات الموجهة إلى قطاعات خدماتية أخرى داخل الوزارة.
وتميزت هذه الاحتجاجات بارتباطها الفعال بأشكال التعبير الفني التي لازمت الثورة، ما أعطاها زخماً جعلها جزءاً من المجال العام الذي تشكل في اتجاه الخلاص من حكم الرئيس الإخواني محمد مرسي وجماعته. وتجلى هذا المعنى في ترك أمر تنظيم الاحتجاج وإدارته إلى مجموعة من منتجي الثقافة الذين يعمل معظمهم في مؤسسات إنتاجية ليست تابعة للوزارة، بل إن بعضهم كان رافضاً لسياساتها وربطها كلياً باستبداد الرئيس المخلوع حسني مبارك، كما في حالة صنع الله إبراهيم الذي كان على رأس المعتصمين. وقد استُخدم اسمه مع بهاء طاهر وآخرين للتأكيد على أن الاعتصام كان معنياً بالحفاظ على الثقافة التي كانت تعاني شأن مؤسسات أخرى أخطار «الأخونة».
واللافت أيضاً عدا عن تنامي الشعور بقوة المثـــقف وفاعلية دوره، هو فـــاعلية الدور الذي لعبته مؤسسات المجتمع المدني «غير الربحية» التي دخلت مجال الثقافة في السنوات العشر الأخيرة، وساهمت في اهتزاز صورة «راعي الثقافة» التي احتكرتها الدولة منذ تأسيس وزارة الثقافة نهاية خمسينات القرن الماضي، وصاغت عبرها علاقة «شبه أبوية» مع المثقفين تدخل ضمن سياسة «الهيمنة» التي تقوم على استقطاب المثقف، أو استعماله في أجهزتها الرسمـــية لتــضمن التحكم في مجالات الإنتاج الثقافي وتوزيعه، فضلاً عن احتكار فضـــاءات الإنـــتاج والعــرض والتسويق. لكنّ تلك الســـياسة الاحـــتكارية تعرضت إلى شكل من أشكال التحلّل والاهتزاز بعدما وجد الفنانون والكتّاب الراغـــبون في التـــحرر من ثقل سلطة الدولة، خيارات بديلة عبرت عن نفسها أولاً في الازدهار الواضح لنشاط دور النشر الخاصة التي تعمل في مجال نشر الإبداع الأدبي، عطفاً على توافر المزيد من فضاءات العرض المســتقل التي نجحت في توفير المزيد من فرص الإنتاج. وســعت تلك الدور، بالتعاون مع المجــموعات المستقلة التي تعمل في المجال السينمائي أو المسرحي، إلى بناء شبكة من التحالفات الـــتي ضمنت التخطيط لبرامج فنية طويلة الأجل، أوجدت فرصاً أخرى لتقديم الإنتاج الإبداعي في مهرجانات داخل مصر وخارجها.
والعلامة الثالثة تتعلق رأساً بالتغييرات التي شهدتها السنوات الأخيرة في الجمهور المتلقي لهذا الإنتاج الإبداعي، وصار في غالبيته من الشباب الأكثر انفتاحاً على التجليات الثقافية «للغرب» بكلّ ما تحمله الكلمة من تبسيط وتعسف؛ بمعنى الاستمتاع بأشكال من التعبير الفني في مجال الموسيقى أو السينما. ويكاد يكون هذا الجمهور هو ذاته المنخرط في أشكال الاحتجاج السياسي السابق على ثورة ٢٥ يناير وما تلاها من موجات. إذ كانت التعبيرات الفنية هي الأقرب إلى نمط التعبئة الشبابية على الطراز السائد في عدد من بلدان أوروبا الغربية في تجمعات مناهضة الحرب والعولمة والتي تتميز بسيولتها التنظيمية واحتجاجاتها الدائمة في الشارع وأساليبها المبتكرة في التظاهر والتي تتضمن الموسيقى والرقص وصنع العرائس. ومن ثم كانت «السياسة» بالنسبة إلى هؤلاء ساحة لممارسة نمط حياة متميز أكثر من كونها ساحة للتعبير الجمالي.
وبسبب طغيان وثقل السياسي على اللحظة الراهنة في مصر، تم التعاطي مع مؤتمر المثقفين، الذي أقيم من 1 إلى 3 الجاري، في حدود الفعل السياسي الذي يعبر عن لحظة توافق نادرة بين سلطة سياسية جاءت كرد فعل لتغييرات 30 يونيو، ومثقفين اعتبروا أنفسهم شركاء في فعل التغيير، وأكثر من ذلك صناعاً له. وبالتالي لم ينظر هؤلاء إلى أنفسهم كـ «فئة مهمشة»، بل هم أصحاب حقوق ينبغي بلورتها وترجمتها إلى مكتسبات واضحة جرى التعبير عنها في المؤتمر الذي أقيم تحت عنوان «ثقافة مصر في المواجهة»، بوضوح، وتعلقت بإيجاد صيغة لإدارة فضاءات العمل الثقافي بالشراكة مع الدولة. لذلك أوجد المؤتمر مساحة مثالية لتقاطع مسارين يفترض أنهما مختلفان بإمكانهما أن يسيرا متوازيين، إنما من دون نقطة تقاطع أو صدام تؤدي إلى غلبة أحدهما على الآخر. الأول تمثله المؤسسة الثقافية الرسمية، والثاني يمثله الناشطون في الإنتاج الثقافي المستقل.
ولوحظ أن وزير الثقافة محمد صابر عرب ترك مهمة إعداد المؤتمر وتنسيقه إلى مجموعة من المثقفين، وهي ضمت غالبية مَن نشطوا في تنظيم الاحتجاج على الوزير الســــابق. وهذه خــطوة تكتيكية تُحسب لعرب الذي احتفظ بمنصبه في فترة الحكم الانتــقالي، وجمع بين حكم العسكر والإخوان من دون تناقضات، وهي مهارة تعكس حسه البيروقراطي وإحساسه بأهمية تفادي الموجة الثورية التي عادت به مجدداً إلى المنصب. ومن ناحية أخرى، تم النظر إلى المؤتمر من وجهة نظر معارضيه على أساس أنّه ثمن تقدمه الوزارة لمن ساندوا بقاء رموزها ممّن سعى الوزير السابق إلى إطاحتهم من مناصبهم.
وبسبب طغيان الحديث عن «صفقة وأثمان» مدفوعة، تعرّض المؤتمر منذ جلسة افتتاحه إلى موجة «تشويه وتشويش» من مثقفين لم يكونوا طرفاً في ترتيباته، إذ أنّهم اتهموا الوزير عرب بالفساد.
ومن جانب آخر، بدا المؤتمر في عين الناشطين في قطاع المجتمع المدني المعتمد على التمويل الأجنبي، منصة لاستهداف هذا القطاع، فتصاعدت داخل أروقته النبرة التي تعتبر عمل هذه المنظمات ينطوي على صورة من صور الاختراق الأجنبي الذين تنبغي مواجهته. وما زاد من مخاطر هذا التوجه أنه لم ينطوِ فقط على استهداف ناشطين يعملون على إعداد مخططات بحثية عن سياسة ثقافية جديدة تلائم مصر بعد الثورة، وإنما لتواكبه كذلك مع خطاب إعلامي يجري الترويج له، ويعمل لمحاصرة مؤسسات المجتمع المدني الحقوقية واتهامها بـ «العمالة»، لأنها لم تكن راضية تماماً عما جرى في مصر عقب «30 يونيو» من ملاحقات أمنية وحملات اعتقال بحق منتمين إلى جماعة «الإخوان». ويكرّس هذا التلازم مخاطر تهدّد القطاع الثقافي الأهلي الذي تحمّل العبء الأكبر في السنوات العشر الأخيرة التي تكلسّت فيها الخدمة الثقافية في صورة شجعت على أن يطرح بعض المثقفين، وللمرة الأولى، فكرة إلغاء وزارة الثقافة وتحويل موازنتها إلى صناديق دعم وتمويل لكسر احتكار الدولة لعملية الإنتاج الثقافي وتوزيعه.
وهذا الطرح يهدد وجود وزارة الثقافة مستقبلاً، ومن ثم كان المؤتمر وسيلة لتأكيد حضورها من جديد وربما آلية للدفاع عن وجودها عبر «وكلاء جدد» منتمين إلى «القوى الثورية» غير المشكوك في نياتهم. ودافع هؤلاء بنيات حسنة عن الإبقاء على الخدمة الثقافية مدعومة، لكونها تقدم في بلد يعاني نصف سكانه الأمية. لكنّ ما بدا لافتاً أن هذه الوجوه اختزلت أزمة مصر الثقافية في مشكلة الإسلام السياسي. وهو اختزال، على أهميته، يغيّب قضايا جوهرية أخرى تتعلق بالعلاقة بين الدولة والمثقفين، وهي علاقة أحسب أنها تحتاج إلى تصور جديد يغيب عن مختلف الأطراف.
 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/45180

اقرأ أيضا