وكالة القدس للأنباء - متابعة
مع استمرار مُراوحة الولايات المتحدة في المربّع نفسه في حربها على إيران، وعجزها عن إحداث اختراق في اتّجاه تحقيق ولو جزء من أهدافها من وراء هذه الحرب، تتّسع دائرة التقديرات الأميركية المتشائمة في أداء إدارة دونالد ترامب، وما يمكن أن يجرّ إليه من تبعات كارثية على مكانة واشنطن ومصالحها.
في هذا الإطار، استعرضت مجلّة «فورين بوليسي» معالم ما وصفتها بأنها «خسارة أميركا للحرب بكلّ المقاييس»، مُعرِّجةً على التناقض الصارخ بين ما يدّعيه مسؤولو إدارة ترامب حول تحقيق «الانتصار»، وما يجري على أرض الواقع، سواء على مستوى برنامجَي طهران النووي والصاروخي، أو شبكة نفوذها الإقليمي، أو على مستوى مصير نظامها نفسه، وآلية العبور عبر مضيق هرمز.
وعدّت المجلّة نتيجة الحرب «كارثة استراتيجية» بالنسبة إلى الولايات المتحدة، التي انكشفت «نقاط ضعف خطيرة لدى جيشها»، بما في ذلك تشتيت الانتشار العسكري، وتكبّد خسائر مادية جسيمة فاقت 38 مليار دولار حتى الآن - فضلاً عن وقوع أزمة طاقة عالمية –
وإذ تحدّثت عن توافر جملة شروط رجّحت كفّة انغماس الإدارة في «مُستنقعات خارجية» و«حروب خاسرة»، من بين أبرزها الجهل بالواقع السياسي للبلدان، وغياب المستشارين البراغماتيين الأكفاء، والغياب شبه التامّ للنقاش المهني، فضلاً عن الثقة الزائدة بإمكانية تحقيق النصر السريع، فهي أكّدت أن مهاجمة إيران «لم تحقّق للولايات المتحدة سوى القليل جدّاً»، وأن الأوضاع «ازدادت سوءاً في بعض الجوانب»، وتحديداً لناحية إثبات طهران، لأوّل مرّة، قدرتها الفعلية على إغلاق مضيق «هرمز» لفترة طويلة. وبحسب الخبير في الشؤون الإيرانية وكبير المحلّلين في مجموعة «أوراسيا» للبحوث، غريغوري برو، فإنه «إذا ما عدنا بالزمن إلى شهر شباط الفائت، وألقينا نظرة على ما أعلنت الولايات المتحدة أنها تسعى لتحقيقه، فإن إخفاق الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها الاستراتيجية الرئيسة جليّ، ولا يقبل الجدل».
من جهتها، وفي مقابل حديثها عن «مصادر المرونة الاقتصادية» لدى إيران، وما يترتّب عليها من صعوبة في التضييق على الأخيرة تجارياً، شدّدت «فورين أفيرز» على ضرورة «إيجاد مخرج من هذا الوضع الذي لا يمكن استمراره، بعد نحو ستة أشهر من التناوب بين الهجمات العسكرية وعمليات الإكراه الاقتصادي التي لم تنجح في إجبار طهران وشركائها على تقديم تنازلات، أو تغيير سلوكهم».
وأشارت المجلة، في مقال مشترك للرئيس الفخري لـ«مجلس العلاقات الخارجية» ريتشارد هاس، والأستاذة في «مركز الشؤون العالمية» التابع لكلية الدراسات المهنية في جامعة نيويورك كارولين كيساين، إلى أنه لا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن تلك الاستراتيجيات، بما في ذلك تهديد ترامب في خطابه أمام الأمم المتحدة بـ«إبادة» إيران سوف تنجح، مضيفةً أنه «لن يكون في استطاعة الولايات المتحدة وحلفائها حماية البنية التحتية للطاقة وشحناتها إلى ما لا نهاية»، ولا سيما في ظلّ تهديد إيران وجهات أخرى حليفة لها بضرب مصالح نفطية واستراتيجية أميركية في المنطقة.
«الصراع لا يزال بعيداً كلّ البعد عن نهايته»
ومن منطلق التكاليف العسكرية والاقتصادية «غير المقبولة»، رأى الكاتبان أن «العودة إلى الدبلوماسية تُعدّ الخيار الأقلّ سوءاً»، داعيَيْن إلى التفاوض لإدخال تعديلات على بنود «مذكّرة التفاهم» الموقّعة في حزيران، بما يشمل العمل على إرساء «خطّة لضمان بقاء الممرّات المائية الحيوية مفتوحة»، إضافة إلى «تدابير من شأنها تحفيز طهران على الالتزام ببنود الاتفاق»، من مثل تخفيف العقوبات عنها، والإفراج عن بعض أصولها المُجمّدة، إلى جانب تسهيلات أخرى على صعيد إعادة الإعمار، وذلك في مقابل إيقاف الهجمات على البنية التحتية للطاقة من قِبَل جميع الأطراف، وموافقة الحكومة الإيرانية على عدم تغيير وضع قدراتها النووية، مع تعهّد أميركي بحصر الردّ على أيّ مخالفة بضرب منشآت نووية حصراً.
وإلى جانب أيّ تسوية مع إيران، شدّد الكاتبان على ضرورة تشجيع السعودية على «السعي نحو تسوية مماثلة» مع حركة «أنصار الله» في اليمن - بالنظر إلى ما تتمتّع به الأخيرة من «استقلالية» سياسية واستراتيجية - تشمل «القبول بمشاركة الحركة في الحياة السياسية اليمنية»، ومنحها «مكاسب اقتصادية» من عائدات النفط اليمني.
ومع إشارتهما إلى مخاوف من بلوغ سعر برميل النفط ما بين 150 و 200 دولار، وهبوط الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي من النفط بالفعل إلى ما دون 300 مليون برميل (وهو أدنى مستوى له منذ ثمانينيات القرن الماضي)، اعتبر الكاتبان أن تحقّق السيناريو الدبلوماسي من شأنه أن يرتّب «تنازلات مؤلمة على كلّ من واشنطن والرياض»، ولكنه سيمنع «كارثة اقتصادية أشدّ إيلاماً بمراحل» في حالة المضيّ قدُماً في المواجهة، ولا سيما مع بلوغ المعدّل اليومي للسفن التجارية العابرة للمضيق، أخيراً، مستويات تقلّ عن عشر سفن في بعض الأحيان - بعدما كان يبلغ في أوقات السلم ما بين 130 و150 سفينة يومياً -.
وعملاً بما وصفه الكاتبان بـ«النسخة الخاصة بقطاع الطاقة» من عقيدة «الدمار المتبادل المؤكّد»، والتي كرّست معادلة الردع النووي التي سادت خلال الحرب الباردة، رأى الكاتبان أن لدى كلّ من إيران وإسرائيل والولايات المتحدة «أسبابها الخاصة لضبط النفس»، والامتناع عن مهاجمة حقول النفط ومحطّات المعالجة وخطوط الأنابيب ومحطّات التصدير، وفي مقدّمها «صعوبة التصدّي للطائرات المُسيّرة والصواريخ والقنابل»، و«الضغوط» الخليجية على واشنطن، إضافة إلى الضغوط التي تمارسها الأخيرة على تل أبيب، وانكشاف المسارات الخليجية البديلة لتمرير النفط عبر «هرمز»، كخطّ «شرق - غرب» السعودي.
بناءً عليه، ذهبت المجلّة إلى أنه «يتعيّن على الولايات المتحدة السعي للتوصّل إلى اتفاق مع إيران لإنهاء الحرب»، حتى لو أدّى هذا اتفاق إلى ترجيح مصالح الأخيرة، سواء لناحية عدم فرضه قيوداً على نشاط حلفائها الإقليميين، أو على ترسانتها من الصواريخ والمُسيّرات، أو لما قد يمنحها إيّاه من مزايا اقتصادية كبيرة.
وخلص الكاتبان إلى أن من شأن التوصّل إلى تسوية أن يفضي إلى «تخفيف الضغوط على تجارة الطاقة العالمية، وإنهاء الحصار الأميركي للسفن الإيرانية»، إضافة إلى «توقّف إيران عن عمليات زرع الألغام في مضيق هرمز والهجمات على ناقلات النفط العابرة له»، مشدّدَيْن على ضرورة وضع «خطّة لإنشاء هيئة إدارية متعدّدة الأطراف تتولّى الإشراف على المرور عبر المضيق وتحصيل رسوم معقولة للعبور»، تشارك فيها جميع دول الخليج، بدلاً من «نظام الإدارة الإيراني - العُماني» الذي تدعو إليه هاتان الدولتان.
في المقابل، رجّح نائب مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «مجموعة الأزمات الدولية»، علي واعظ، عودة التصعيد على حساب الدبلوماسية، معتبراً، في مقالة في المجلّة نفسها، أن «الحقيقة المُقلِقة هي أن الصراع لا يزال بعيداً كلّ البعد عن نهايته»، وذلك لاستمرار «عجز الطرفَين عن تحقيق أهدافهما المنشودة» - إخراج القوات الأميركية من المنطقة بالنسبة إلى إيران -، و«شعورهما بأنهما يحقّقان ما يكفي لجعل استمرار الحرب - عبر مزيج من الأدوات العسكرية والاقتصادية - أمراً يستحق العناء»، فضلاً عن أنهما لا يزالان «يمتلكان الموارد اللازمة لمواصلة القتال إلى أجل غير مسمّى».
وأضاف واعظ أن كلا الطرفَين تحدوهما القناعة بأنه «ليس أمامهما خيار سوى استخدام الأدوات القسرية التي في حوزتهما»، وأن «تخفيف الضغوط سيدفع الطرف الآخر إلى مواصلة الهجوم على الخصم، إلى أن يُلحِق به هزيمة مُذِلّة، أو يفرض شروطه عليه».
وفي هذا الإطار، بيّن الكاتب أن «الحكومة الإيرانية تخشى من أن يؤدّي التخلّي عن أوراق الضغط التي تمتلكها إلى جعلها عرضة للضغوط مستقبلاً»، في حين تشعر الولايات المتحدة بـ«القلق من أن يؤدّي تخفيف العقوبات على نطاق واسع إلى منح طهران الموارد والوقت اللازمَيْن لإعادة بناء قدراتها».
أمّا إسرائيل، فـ«تتخوّف من أن تؤدّي ممارسة ضبط النفس اليوم إلى ظهور إيران أقوى غداً». وانطلاقاً من تلك الاعتبارات، رجّح واعظ أنه «لن يكون هناك حلّ شامل، ولا اتفاق سلام دائم»، مستبعداً في الوقت نفسه أيّ «تصعيد دراماتيكي»، خصوصاً مع عدم قدرة أيّ من الطرفَين على حسم الموقف لصالحه. على أن ذلك لا يعني أن طهران وواشنطن لن تتفاوضا، بل هما ستحافظان، بحسب ترجيح الكاتب، على قنوات الحوار، وستعملان على تعليق الصراع بين حين وآخر، بما يتيح لهما إعادة ترتيب صفوفهما.
