/الصراع/ عرض الخبر

تحوّلات أميركا: جيل جديد ينبذ "إسرائيل"

2026/10/30 الساعة 03:11 م

وكالة القدس للأنباء - متابعة

لطالما شكّل الموقف الأميركي من إسرائيل، تاريخياً، قضية محورية داخل النظام السياسي في الولايات المتحدة، تحظى بمباركة الحزبَين «الجمهوري» و«الديمقراطي»، وذلك استناداً إلى مرتكزات هجينة تدمج بين عاملَي الفكر الليبرالي والبعد العقدي للصهيونية. غير أن الحرب على غزة، وما سبقها وتلاها من جولات تصعيد في الشرق الأوسط، أحدثت شرخاً في مزاج الشارع الأميركي، ولا سيما لدى الفئات العمرية الشابة. وأشّر هذا الشرخ إلى تحوّلات جوهرية في النظرة إلى «الدولة العبرية» كـ«واحة ديمقراطية»، مدفوعة باهتزاز القناعة بالمرتكزات المشار إليها لدى الأميركيين من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. ولم يقتصر التشكيك على كلفة الدعم العسكري والمالي لإسرائيل فحسب، بل امتدّ إلى جدوى التدخلات العسكرية الخارجية برمّتها، وهما أمران خرجا من خانة السياسة الخارجية ليصيرا مادة للسجال الداخلي، بحسب ما تبيّنه استطلاعات الرأي.

تغير نظرة الشباب «الديمقراطي»

يبدو التململ من تلك التدخلات أكبر ما يكون على المقلب «الديموقراطي». هذا الذي دلّت عليه نتائج الانتخابات التمهيدية الأخيرة، بالتوازي مع تطورات أخرى، من قبيل طرح مسألتَي تمويل إسرائيل والعنف المرتكب ضدّ الفلسطينيين رسمياً على التصويت داخل «اللجنة الوطنية للحزب»، وذلك خلال اجتماعها في نيو أورلينز في نيسان 2026، ومن ثمّ، بعد ثلاثة أشهر، تأييد نصف «الديموقراطيين» في مجلس النواب تعديلاً يرمي إلى قطع المساعدات عن إسرائيل. وكانت الانتخابات التمهيدية دارت رحاها بين جناحَين: الأول، هو «التقليدي»، المحسوب على «الحرس القديم»، الذي كان ينظر إلى إسرائيل بوصفها «مشروعاً يسارياً» وحليفاً وثيقاً للمصالح الأميركية في مواجهة السوفيات إبّان الحرب الباردة؛ والثاني هو «التقدمي» الرافض لتمويل حروب إسرائيل ولنفوذها في الولايات المتحدة، والداعي إلى إيلاء الأولوية للهموم المعيشية، وعلى رأسها الصحة والسكن. هكذا، خاض مرشحون «تقدميون» المواجهة مع الوجوه التقليدية في أكثر من 40 دائرة انتخابية؛ ومن بين هؤلاء، برزت وجوه من جيل الشباب، كعبد الرحمن (عبدول) السيد، وآخرون مخضرمون يقدّمون أنفسهم وفق «أجندة شبابية»، من مثل السيناتور إد ماركي، وهو أمر سيكون له ما بعده، وصولاً إلى رئاسيات عام 2028.

وفي ضوء نتائج التمهيديات، لم يعُد في الإمكان تجاهل مدى تراجع نفوذ «آيباك»، أحد أهمّ أذرع اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، والذي أصبح عبئاً انتخابياً على المرشحين المدعومين منها في عدد من الدوائر، في وقت يقابل فيه أنصارها، داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب وخارجها، أيّ نقد لإسرائيل بسياسة تكميم الأفواه. وبحسب ما تُظهره استطلاعات الرأي، فإن الموقف النقدي من جانب «تقدّميي» الحزب «الديموقراطي» من الكيان الإسرائيلي تتبنّاه قطاعات أوسع من الحزب. إذ يرى قرابة 60% من «الديموقراطيين» أن بلادهم تقدّم للكيان دعماً يفوق اللازم، فيما تعتقد نسبة مماثلة أن واشنطن لا تقدّم دعماً كافياً للفلسطينيين، وأن إسرائيل ارتكبت جريمة إبادة جماعية في غزة. كذلك، بيّن استطلاع أجرته مؤسسة «غالوب»، في آذار 2023، أن نصف «الديموقراطيين» أبدوا تعاطفهم مع الفلسطينيين، في مقابل 38% مع الإسرائيليين.

أمّا في خصوص «شعبية» إسرائيل في أوساط الأميركيين عموماً، فقد أظهر استطلاع للمؤسسة نفسها، في شباط الماضي، أن 41% من الأميركيين يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل 36% مع الإسرائيليين. وترتفع نسبة التعاطف تلك لدى الشباب ممّن تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً إلى نحو 53%، مقابل 23% للإسرائيليين. وفي الاتجاه نفسه، كشف استطلاع لمركز «بيو» المتخصّص في دراسة اتجاهات الرأي العام ارتفاع نسبة الأميركيين الذين ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية، من 42% عام 2022 إلى نحو 60% عام 2026، فيما ينظر 72% من الشباب «الديموقراطيين» بإيجابية إلى الفلسطينيين، في مقابل 26% إلى الإسرائيليين.

ويرى محلّلون أن نجاحات شخصيات محسوبة على «الجناح التقدمي» في «الديموقراطي» في الانتخابات الأخيرة، كزهران ممداني، الفائز بمنصب عمدة نيويورك، جاءت ضمن مكاسب تحالف سياسي واجتماعي جديد، تتقاطع في أجندته هموم محلية درج عليها «القاموس اليساري» في الولايات المتحدة، كالعدالة الاجتماعية والهجرة والتفاوت الاقتصادي وحضور الشركات الكبرى وجماعات الضغط في المشهد الداخلي الأميركي، مع هموم خارجية لا تقلّ أهمية، كالموقف من الاحتلال والإبادة الجماعية في غزة. كما أنها أتت على وقع موجات متتالية من صعود «اليسار الديموقراطي»، بدءاً بحركة «احتلّوا وول ستريت»، وصولاً إلى حركة «حياة السود مهمة»، والحراك الطلابي الداعم للفلسطينيين، ، وليس انتهاءً بالانتصار الذي حقّقه عبد الرحمن (عبدول) السيد في تمهيديات ميشيغان، فضلاً عن إنجازات مماثلة لزملائه في تمهيديات ولايتَي مينيسوتا وكاليفورنيا، في وجه شخصيات مدعومة من «آيباك».

ثمّة من يخشى من أن يتحوّل التأييد المطلق لإسرائيل إلى مشروع حزبي خاص بـ«الجمهوريين» وحدهم

ولتسليط الضوء على أبعاد التحوّل الجيلي في النظرة إلى إسرائيل بين الأميركيين، بمن فيهم اليهود، ولا سيما الشباب والمثقفون منهم، بل وحتى المتديّنون، توفّر البيئة الانتخابية النيويوركية، ذات الرمزية اليهودية، عيّنة بالغة الأهمية. إذ أظهرت دراسة مشتركة صادرة عن مركز «زينيث ريسرش» ومنظمة «بابليك بروغرس»، في تموز 2025، أن النسبة الأكبر من كبار السن اليهود عارضوا ممداني في انتخابات عمدة نيويورك، فيما أعرب 67% ممّن يقعون دون سنّ الأربعين عن عزمهم التصويت له. ويُدرج الباحث في معهد «أميركان إنتربرايز»، صامويل أبرامز، هذا الموقف في سياق «إعادة صياغة للقيم الدينية والاجتماعية اليهودية ضمن إطار أخلاقي كوني أوسع». وانسحبت هذه النظرة المتغيّرة إلى «الدولة العبرية»، التي تُقرّ بالقيمة السياسية لشعار «من النهر إلى البحر» وانسجامه مع «قيم التحرّر» الأميركية، على أوساط فنانين ورجال دين يهود. إذ وقّع ما لا يقلّ عن 350 منهم عريضة تستنكر ما وصفته بـ«التطهير العرقي» في غزة، من بينهم الكاتبة المناهضة للعولمة نعومي كلاين، والكاتب المسرحي طوني كوشنر، المعروف بموقفه المؤيّد لـ«حركة مقاطعة إسرائيل» (BDS).

تصدّعات «ماغا» ونبذ النهج التدخلي

لا تنحصر التغيّرات المشار إليها داخل المعسكر «الديموقراطي»، بتقدّمييه وليبرالييه، أو حتى في أوساط المستقلين، بل تمتدّ إلى صلب القاعدة الناخبة المحافظة في المعسكر «الجمهوري»، التي تميل إلى تركيز أولوياتها على قضايا داخلية تلامس الهموم المعيشية لدافع الضرائب الأميركي. وتُظهر إحصاءات غربية، في هذا السياق، أن 4 من كلّ 10 «جمهوريين» يتخذون مواقف سلبية من دعم إسرائيل، وهي نسبة ترتفع أكثر لدى الشباب «الجمهوريين»، وذلك على خلفية ما يستتبعه الدعم المذكور من استنزاف مالي وعسكري وسياسي للمصالح الأميركية. وبحسب محللين، يدور السجال المحتدم بين أنصار «ماغا» حول ما إذا كان شعار «أميركا أولاً» يشمل حماية مصالح إسرائيل في مختلف الظروف، أم يقتصر على دعم مشروط بعدم خوض واشنطن حرباً خارجية إلا في حال وجود مصلحة أميركية مباشرة فيها. ويشير هؤلاء إلى أن ذلك السجال ازداد حدّة بعد العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران، وما أُشيع عن اندفاعة ترامب إلى تلك المواجهة تحت ضغط من بنيامين نتنياهو.

ولشرح مدى تحوّل إسرائيل من كيان صديق إلى «دولة فصل عنصري» وطرف «معتدٍ» و«منبوذ دولياً»، في نظر شريحة واسعة من الأميركيين عموماً، و«الديموقراطيين» خصوصاً، بمن فيهم اليهود أنفسهم، نبّه جيريمي بن عامي، رئيس منظمة «جيه ستريت» (جماعة الضغط اليهودية الأميركية تقدّم نفسها بهوية ليبرالية)، إلى أن الغضب من نتنياهو و«آيباك» جعل إسرائيل قضية خلافية داخل الحزب. ويتبنّى هذا الرأي أيضاً عدد من المشرّعين «الديموقراطيين» الذين يؤيّدون تقييد الدعم لتل أبيب من دون وقفه تماماً، من مثل النائبة ديانا ديجيت والسيناتورة مازي هيرونو. ومن جهته، يحذّر المؤرخ الإسرائيلي، عومر بارتوف، من تحوّل إسرائيل إلى دولة منبوذة، ليس بسبب «معاداة السامية» فحسب، إنما نتيجة سياساتها، محذّراً من أن صعود اليمين الشعبوي في الولايات المتحدة وأوروبا، قد يعيد إنتاج خطاب يحمّل اليهود وإسرائيل مسؤولية أزمات المجتمعات الغربية. وذلك ما قد يفتح الباب أمام مقاربات مختلفة في واشنطن، مشروطة سياسياً، وأقلّ التزاماً بالعلاقة التقليدية مع تل أبيب.

وفي المحصلة، تكثر التساؤلات حول مآل المشهد السياسي الأميركي بعد عقد أو عقدين من الآن، لا سيما أن متوسط أعمار أعضاء مجلس النواب الأميركي الحالي يبلغ 57.5 عاماً، ويرتفع إلى 64.7 عاماً في مجلس الشيوخ. ويُضاف إلى ذلك أن الجناح التقليدي الهرِم في الحزب «الديموقراطي» فقد صدقيته بفعل تأييده الأعمى لجرائم حكومة نتنياهو في غزة، والذي دفع الطبقة السياسية «الديموقراطية» الصاعدة، بمن فيها من الليبراليين الذين يناهضون أداء تلك الحكومة من منظور الحريات وحقوق الإنسان، إلى إبداء دعم مشروط أو محدود لإسرائيل، ما لم تحدث تغييرات جوهرية في السلوك الإسرائيلي. وإذ يهدّد مجمل ما تقدّم، على المدى البعيد، بتحوّل التأييد المطلق لإسرائيل إلى مشروع حزبي خاص بـ«الجمهوريين» وحدهم، المتحالفين مع حزب «الليكود»، وإلى عنوان محوري للخلاف بين الحزبين، أوجز تلك الهواجس السيناتور «الديموقراطي»، كريس كونز، العضو البارز في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، حين أعرب عن أمله في أن تساعد الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 تشرين الأول الجاري على استعادة الدعم الأميركي من كلا الحزبين، وعلى فتح فصل جديد في العلاقات بين واشنطن وتل أبيب يتجاوز قيادة نتنياهو.

 

المصدر: صحيفة الأخبار – خضر خروبي

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/230442

اقرأ أيضا