وكالة القدس للأنباء - متابعة
كلّ المؤشرات تصبّ في اتجاه واحد، المعركة مقبلة، فالطرفان الإيراني من جهة، والأميركي و"الإسرائيلي" من الجهة الثانية يستعدّان، ويعدّان الأهداف.
من المناورات الصاروخية الإيرانية، إلى المراوحة الدبلوماسية والتصعيد السياسي والإعلامي، وصولاً إلى إعادة انتشار القوات الأميركية في المنطقة وإخلاء بعض القواعد، والطلعات الجوية الإسرائيلية باتجاه الحدود الإيرانية، توحي باقتراب المواجهة الواسعة، إنّما من دون إمكان تحديد موعدها.
على الأرض في الخليج الفارسي، وفي وقت تتراجع فيه الآمال المعقودة على تسوية الخلافات بين الجمهورية الإسلامية في إيران والولايات المتحدة الأميركية عبر المسار الدبلوماسي، تتصاعد التحركات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط بشكل لافت، وبات من المستبعد جداً إدراج هذه التحركات في إطار تعزيز أوراق الضغط على طهران أو استعراض قوة رجل البيت الأبيض في المنطقة.
فالتقارير الاستخباراتية المنشورة تتكلم عن إعادة انتشار القوات الأميركية، وتقليص الحضور الدبلوماسي في عدد من دول المنطقة، فضلاً عن تصاعد النشاط الجوي الإسرائيلي قرب الحدود الإيرانية. لذا، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة من «المواجهة المفتوحة»، وربما تتحول هذه المرة إلى مواجهة شديدة الكلفة، فترامب الذي يرفض حتى اليوم وبعد مرور أكثر من 4 أشهر على انهيار الاتفاق الإيراني الأميركي، أن يعترف بالهزيمة التي مُني بها، يصرّ على هدف إسقاط النظام الإيراني والقضاء على القدرات النووية للبلاد.
وفي سياق إعادة التموضع الأميركي في المنطقة، يفيد مصدر عسكري مقرب من دوائر صنع القرار في طهران، بأن إجلاء الطائرات العسكرية الأميركية من قاعدة العديد في قطر، وإعادة تموضع وحدات منتشرة في الأردن والكويت، «تكتسب أهمية تتجاوز طابعها الإجرائي»، ويشير إلى أن مثل هذه التحركات، «تعكس إدراكاً أميركياً بأن أي عملية عسكرية ضد إيران لن يكون الرد عليها كالردود التي شهدناها في الحربين السابقتين».
ويشدد المصدر نفسه على أن طهران «لا تستبعد أن تستخدم واشنطن القنابل النووية التكتيكية لضرب منشآت محصنة في إيران»، موضحاً أن الجمهورية الإسلامية «تستعد لكل السيناريوهات ولديها أوراق قوة تفوق تأثير السلاح النووي».
لا يبدو أن الشرق الأوسط يقف أمام تكرار بسيط لجولات التصعيد السابقة
في موازاة ذلك، يشير الخبير في الشؤون الإيرانية، نجاح محمد علي، إلى أن «المنطقة تقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، لكن التحليل الجاد يقتضي التمييز بين الاستعداد للحرب واتخاذ قرار نهائي بشنها. إيران تستعد لاحتمالات متعددة، وواشنطن تحاول توظيف الضغط العسكري والسياسي لتعزيز موقعها التفاوضي، فيما يدرك الجميع أن الخطأ في الحسابات قد يفتح مساراً يصعب إغلاقه». ويؤكد محمد علي أن «الخطر الأكبر ليس في اندلاع المواجهة وحده، بل في اعتقاد أي طرف أنه يستطيع التحكم بمداها وكلفتها ونتائجها بعد إطلاق شرارتها الأولى. فالحرب قد تبدأ بقرار محدود، لكنها لا تلتزم بالضرورة بالحدود التي رسمها أصحاب ذلك القرار، وقد تكون نهايتها مختلفة تماماً عن الصورة التي أرادوا تسويقها في بدايتها».
ويرى خبراء استراتيجيون أن واشنطن أمام «اختبار استراتيجي بالغ الخطورة»، لأن أي مواجهة عسكرية مع إيران «لن تكون عملية محدودة». فإيران «ليست ساحة يمكن توجيه ضربة إليها ثم فرض شروط الاستسلام عليها، ولا يمكن اختزال قدراتها في حجم ما تتعرض له من قصف في الساعات الأولى». لأن «المعيار الحقيقي لنتائج أي عدوان أميركي أو إسرائيلي سيكون ما تستطيع طهران فعله بعد الضربة، ومدى قدرتها على نقل كلفة المواجهة إلى المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، فضلاً عن التداعيات التي قد تطال أمن الطاقة والملاحة في خليج فارس».
بين تل أبيب وواشنطن: من يطلق النار أولاً؟
وتزداد الصورة تعقيداً مع ما تنقله وسائل إعلام أميركية عن الخيارات العسكرية الموضوعة أمام ترامب، والتي تتراوح بين استهداف منشآت نووية محصنة منها «جبل الفأس»، وضرب مواقع ذات أهمية استراتيجية، بما فيها جزيرتا خرج وقشم. وذلك بالتزامن مع زيارة وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، إلى الأراضي المحتلة، حيث التقى نظيره الإسرائيلي، الذي أطلعه على قائمة بالأهداف الإيرانية التي من الممكن ضربها، بحسب ما أفاد موقع «أكسيوس» الأميركي.
وعلى الضفة الإسرائيلية، يبدو المشهد أكثر استعجالاً. فالتقارير عن تحليق مقاتلات إسرائيلية في أجواء سوريا وشمال العراق، قرب المجال الجوي الإيراني، تعيد طرح دور تل أبيب في دفع المواجهة نحو مرحلة أكثر خطورة. وبصرف النظر عن الطبيعة الدقيقة لهذه الطلعات، فإن توقيتها يحمل رسائل متعددة، إظهار القدرة على الاقتراب من مسرح العمليات الإيراني، واختبار ردود الفعل، وتذكير واشنطن بأن إسرائيل تحتفظ بخيار التحرك العسكري حتى في حال استمرار التردد الأميركي.
وبعد انتهاء انتخابات الكنيست الاسرائيلي، لا يمكن فصل هذه التحركات عن حسابات بنيامين نتنياهو الداخلية. فمع انتهاء الاستحقاق الانتخابي، وتعذّر إمكانية أيّ فريق تشكيل حكومة بمفرده ما يجعله مجبراً على الذهاب باتجاه حكومة تناوب يرفضها غادي آيزنكوت، يجد رئيس حكومة الاحتلال في الملف الإيراني مساحة لإعادة ترتيب الأولويات وفرض الأجندة الأمنية على النقاش الداخلي. وهنا يكون الحل أمام نتنياهو إشعال حرب في البلاد وإعلان حالة طوارئ، وإجبار منافسه آيزنكوت على تشكيل حكومة وحدة وطنية (حكومة تناوب).
في المقابل، يجد بعض الخبراء أن دخول واشنطن على خط المواجهة قبل الانتخابات النصفية، قد تضعف موقف ترامب السياسي.
السؤال ليس ما إذا كانت واشنطن قادرة على بدء الحرب بل إذا ما كانت قادرة على إنهائها بالشروط التي تريدها
وفي السياق ذاته، يشير نجاح محمد علي إلى أنه «لا يمكن تجاهل الحسابات الشخصية والسياسية لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي قد يرى في التصعيد فرصة لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية، أو في استمرار التهديد وسيلة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي». لكن تحويل هذه الاحتمالات إلى حقائق مؤكدة سيكون «متسرعاً»؛ فمسار الحرب «لا تحدده رغبة طرف واحد، كما أن اتساع المواجهة قد يخلق نتائج لا يستطيع أي من الأطراف السيطرة عليها». وإذا جاء الرد الإيراني واسعاً، فقد تجد المنطقة نفسها أمام معركة متعددة الجبهات، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع أمن الطاقة ومواقف الحلفاء والضغوط الدولية.
وهنا تحديداً تظهر نقطة التقاطع بين واشنطن وتل أبيب. فالطرفان يلتقيان عند هدف إضعاف القدرات الإيرانية ومنع طهران من توسيع هامش قوتها الإقليمية، لكنهما قد يختلفان بشأن الوسائل والتوقيت والسقف المقبول للمخاطرة. وبينما تستطيع إسرائيل النظر إلى الضربة العسكرية باعتبارها فرصة لإعادة تشكيل ميزان الردع، يتعين على الولايات المتحدة احتساب تداعيات أوسع، تشمل الحسابات الداخلية السياسية، واستقرار حلفائها بالخليج، وأمن الملاحة وإمدادات الطاقة، فضلاً عن احتمال تحول أي مواجهة محدودة إلى حرب استنزاف طويلة، في ظل الغلاء غير المسبوق الذي تشهده أميركا وأوروبا.
في مواجهة هذه الحسابات، تحاول إيران توسيع نطاق الردع من خلال التلويح بتغيير قواعد الاشتباك نفسها. وقد لوحت مؤخراً باستهداف مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وشبكات الكابلات في المنطقة، في حال اندلاع جولة جديدة من المواجهة.
وفي السياق نفسه، يأتي الحديث الإيراني عن الاستعداد لحرب واسعة، بالتوازي مع التحرك الدبلوماسي الذي يقوده وزير الخارجية عباس عراقجي، ليعكس ازدواجية مقصودة في إدارة الأزمة. فمن جهة، تريد طهران إظهار أنها لا تسعى إلى الحرب، وأنها تحمل واشنطن وتل أبيب مسؤولية أي تصعيد جديد. ومن جهة أخرى، تعمل على تثبيت صورة مفادها أن تجنب المواجهة لا يعكس عجزاً عن خوضها، وأن أي محاولة لفرض وقائع عسكرية جديدة ستقابل برد لا يمكن ضمان حدوده مسبقاً.
رضائي: مستعدون للمعركة
وفي تصريح إعلامي أعلن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، أن على الجميع أن يدرك أن أي إجراء ضد إيران ستكون له كلفة، مؤكداً أن بلاده تفضّل المسار الدبلوماسي إذا أفضى إلى هذا الإدراك، لكنها تمتلك الأدوات اللازمة لمواصلة الرد إذا استمرت الحرب. وأضاف رضائي أن إيران لم تستخدم، في المراحل السابقة، كامل قدراتها، وأنها أدخلت قدرات أكبر إلى العمليات بما يتناسب مع شدة الحرب، مؤكداً استعدادها لمرحلة جديدة إذا تجدّدت المواجهة. وحذّر من تداعيات استمرار الحرب، معتبراً أن أسواق الطاقة قد لا تستعيد استقرارها خلال السنوات الثلاث المقبلة، وأن استمرار المواجهة غيّر ديناميكية العلاقات الإقليمية لمصلحة إيران، مع إعادة دول الخليج تعريف علاقاتها مع طهران.
حاتمي: رفعنا جهوزيتنا للحرب
من جهته، أكد القائد العام للجيش الإيراني، أمير حاتمي، أن القوات المسلحة رفعت جهوزيتها للحرب غير المتكافئة، مشيراً إلى تطور قدراتها في مجال الطائرات المسيّرة والأسلحة غير المأهولة. وخلال زيارته أحد مراكز إنتاج الطائرات المسيّرة القتالية، قال حاتمي، إن التجارب التي خرج بها الجيش من الحربين الأخيرتين أكدت «ضرورة رفع مستوى الجهوزية وعدم الوثوق بالعدو»، مشيراً إلى «اتساع دور الأسلحة غير المأهولة في الحروب الحديثة». وأضاف أن «الطائرات والزوارق المسيّرة والطائرات الصغيرة باتت تؤدي مهمات متعددة، ولها مكانة خاصة في المقاربة الدفاعية الإيرانية».
في المحصلة، لا يبدو أن الشرق الأوسط يقف أمام تكرار بسيط لجولات التصعيد السابقة. فالمواجهة المحتملة تحمل في داخلها عناصر قد تدفعها إلى تجاوز حدود الضربات المتبادلة، خصوصاً مع تداخل الملفات النووية والعسكرية والاقتصادية، واتساع الانتشار الأميركي، وحساسية الممرات البحرية، والحرب السعودية اليمنية، والتوتر المستمر على الجبهة اللبنانية، واستعداد إسرائيل للمضي في خيارات عالية المخاطر.
المصدر: صحيفة الأخبار - حسين صبرا
