وكالة القدس للأنباء - متابعة
غزة / تتنافى الوقائع الميدانية التي يشهدها قطاع غزة، مع أيّ قراءة قد تبدو متفائلة لموافقة المجلس الوزاري "الإسرائيلي" المصغّر (الكابنيت)، مطلع الأسبوع الجاري، على دخول «قوة الاستقرار الدولية» التابعة لـ«مجلس السلام» إلى القطاع. إذ أنه، وفي صبيحة اليوم التالي للإعلان عن تلك الموافقة، التي سبقت، وليس على سبيل المصادفة أيضاً، زيارة رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، إلى الولايات المتحدة للقاء الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أزاحت قوات الاحتلال «الخطّ الأصفر» مسافة إضافية، لِتَلتهم -إضافة إلى ما كانت قضمته- آلاف المنازل السكنية في حيَّي الشجاعية والتفاح شرق مدينة غزة.
كما قصفت الطائرات الحربية مربّعات سكنية في مختلف مناطق القطاع، وتواصلت عمليات الاغتيال وإطلاق النار العشوائي. وبذلك، حاصرت الخطوات الميدانية أيّ ثغرة للتفاؤل، بل وعزّزت البعد الرمزي لإعلان كهذا.
وكان اشترط «الكابنيت» أن تعمل «القوة الدولية»، التي لن يتجاوز تعدادها 200 جندي، بالتنسيق الكامل مع جيش الاحتلال، وخارج مناطق «الخطّ الأصفر»، علماً أن تلك القوة تعدّ واحدة من أربعة كيانات مخصّصة لإدارة غزة، نصّت عليها خطة ترامب لإنهاء الإبادة الإسرائيلية في القطاع، واعتمدها «مجلس الأمن الدولي» في قراره 2803 الصادر في 17 تشرين الثاني 2025.
ووفقاً لمسؤول في ديوان نتنياهو، فإن جنود «القوة الدولية» سيُرسلون من «دول صديقة تربطها اتفاقيات سلام وتنسيق أمني مع إسرائيل، من بينها أوغندا والمغرب، وسينحصر عملها في المناطق الخارجة عن السيطرة الإسرائيلية».
ومعنى ذلك أن إسرائيل ستواصل السيطرة على مناطق «الخطّ الأصفر»، من دون أيّ تغيير يُذكر. كما أنه، ووفقاً لمصادر إعلامية عبرية، بدأ العمل على إنشاء مقرّ تمركز «قوة الاستقرار» قرب مدينة رفح جنوبي القطاع. وبحسب مقطع الفيديو الذي نشرته «إذاعة الجيش الإسرائيلي»، يجري إنشاء المقرّ المذكور في «غلاف غزة» الجنوبي بالقرب من منطقة "كرم أبو سالم".
ومع ترحيب رئيس «مجلس السلام» في غزة، نيكولاي ميلادينوف، بخطوة "إسرائيل" التي كثر اللغط حول جدّيتها، وصل وفد من حركة «حماس»، أمس، إلى القاهرة، لاستكمال مفاوضات تثبيت وقف إطلاق النار والانطلاق إلى «المرحلة الثانية» من خطّة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب.
ووفق مصادر مطلعة في «حماس»، فقد حمل الوفد صياغة جديدة لمستقبل سلاح المقاومة وتسوية أوضاع موظفي غزة الحكوميين، وهما أكثر الملفّات حساسية وتعقيداً، وقد تسبّبا في عرقلة نضوج أيّ صيغة تفاهم خلال جولات التفاوض في المرحلة الماضية.
وتُبيّن المصادر، في حديث إلى «الأخبار»، أنه في ما يتعلّق بالبند الخامس من خطّة ترامب حول الموظفين، فإن الحركة «ستقدّم مقترحاً ينصّ على تشكيل لجنة قانونية لمعالجة هذا الملف، بما يضمن اجتراح حلول مرضية ومنصفة لهم».
أمّا البند الثامن الخاص بسلاح المقاومة، وتحديداً مصطلح «البنية التحتية» الوارد فيه والذي كانت الحركة ترفض مناقشته، فقد تَقرّر إبداء مرونة حوله، بما يضمن تنفيذ «المرحلة الأولى» والانتقال الجادّ إلى "المرحلة الثانية".
وبالعودة إلى قرار الموافقة على دخول «القوة الدولية»، التي بدت كرشوة استباقية لترامب، خصوصاً أنها جاءت قبل دقائق من سفر نتنياهو إلى واشنطن، فلا تُقرأ تلك الخطوة بمعزل عن المنطق "الإسرائيلي" القائم على التطبيق الانتقائي لاتفاق وقف إطلاق النار، وتفعيل صيغ مشوّهة تتلاءم مع أجندة حكومة نتنياهو، التي تركّز في جوهرها على إبقاء خطة تهجير أهالي قطاع غزة على الطاولة، والاحتلال الدائم للقطاع. وتمنح الموافقة على دخول تلك القوة، الإدارة الأميركية مادة دعائية توحي بأن الاتفاق لا يزال متماسكاً، وأن «مجلس السلام» يعمل ويحقّق إنجازات، فيما تستمرّ الإبادة ويتفاقم الواقع الكارثي، ويتواصل العدوان الإسرائيلي وابتلاع الأرض ودفع السكان نحو التهجير القسري بأدوات وأشكال متعدّدة.
ويقرأ الباحث والمحلّل السياسي، أحمد الطناني، تلك الخطوة في سياق استكمال مشروع «فقاعة رفح»، أو الغيتو المنويّ إنشاؤه داخل المدينة، وذلك عبر تقديم منطقة محدودة وخاضعة للاحتلال، باعتبارها نموذجاً محدود الجدوى لتنفيذ الاتفاق، يمكن إلهاء الجانب الأميركي به.
ويتابع أن "ذلك يخدم أيضاً حسابات نتنياهو الداخلية؛ إذ يمنحه الوقت اللازم للوصول إلى الانتخابات من دون تغيير نوعي يعبّر عن وجود وقف حقيقي لإطلاق النار. وبذلك يستطيع خوض الانتخابات تحت عنوان استمرار أهداف الحرب، والادّعاء أن جيش الاحتلال يتولّى بنفسه نزع سلاح حركة حماس، وأن التعاون مع مجلس السلام بدأ بتدشين مناطق كاملة منزوعة السلاح ومفرغة من بنيتها الوطنية الفلسطينية". (المصدر: الأخبار اللبنانية)
