وكالة القدس للأنباء - متابعة
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالا للمعلق توماس فريدمان قال فيه: “أجلس كل يوم أمام حاسوبي وأسأل نفسي: ما الذي يمكنني قوله عن الخبرين اللذين يثيران اهتمامي أكثر من غيرهما؟ أحدهما يحدث في مسقط رأسي، على ضفاف نهر المسيسيبي، والآخر يحدث في الضفة الغربية لنهر الأردن وعلى جانبي وادي غزة”.
ويضيف أنه يسأل نفسه أي مقطع فيديو يجب أن يتوقف عنده أكثر؟ هل هو مقطع رينيه غود، التي أصيبت برصاصة في وجهها على يد ضابط من إدارة الهجرة والجمارك في مينيابوليس، بينما كانت تحاول بوضوح إخلاء المكان؟ أم مقطع فيديو يوم السبت الذي يظهر عملاء فيدراليين يطلقون النار على أليكس جيفري بريتي، وهو ممرض في وحدة العناية المركزة، بعد أن حاول مساعدة امرأة كانت ترش برذاذ الفلفل؟ أم ربما مقطع فيديو يوم الأربعاء الذي يظهر آثار الغارات الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل ثلاثة صحافيين فلسطينيين، من بين آخرين، في غزة؟ كان الصحافيون يعملون لصالح لجنة تقدم مساعدات مصرية، وكانوا يوثقون عملية توزيعها في مخيم للنازحين؟ أم شريط فيديو لحماس وهي تقمع معارضيها؟
ويرى فريدمان أن هذه القصص تتشابه أكثر مما قد يتصور القارئ. فجميعها، في رأيه، مدفوعة بقادة سيئين يفضلون الحلول السهلة والعنيفة على العمل الجاد لحل المشكلات بالتفاوض. ويرى هؤلاء القادة في أسلوب اليد الحديدية الوسيلة الأفضل للفوز في الانتخابات القادمة: الرئيس ترامب في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يتوقع أن يدعو إلى انتخابات في نفس الفترة تقريبا، وحماس في سعيها اليائس لقيادة الحركة الفلسطينية في مرحلة ما بعد الحرب، رغم خسارتها الحرب، على حد وصف الكاتب.
وكعادته في المقاربات، يرى أن حماس تشترك مع وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الامريكية (أيس) في سمة بارزة لم يتخيل يوما أن يراها في الولايات المتحدة: يرتدي جميع عناصرها تقريبا أقنعة. وأن تجربته كمراسل في الشرق الأوسط علمته أن الناس يرتدون الأقنعة لأنهم يخططون لأمر سيئ ولا يريدون أن تظهر وجوههم. وأنه رأى ذلك مرارا في بيروت وغزة، ولم يتوقع أبدا أن يراه في مينيابوليس. ويتساءل: “منذ متى شعرت قوات الشرطة الداخلية الأمريكية، المكلفة بحماية الدستور وسيادة القانون، بالحاجة إلى إخفاء هوياتها؟".
ويعلق قائلا إنه يتفهم سبب ارتداء مقاتلي حماس للأقنعة، فهم، حسب قوله، يخشون الانتقام. ويتحدى أنه لو وضعت صورة ضابط من إدارة الهجرة والجمارك بجانب صورة أحد عناصر حماس في مسابقة إخبارية، أن يميز القارئ بينهما. ويوجه رسالة إلى وزيرة الأمن الداخلي، كريستي نويم: “هذا ليس موقفا مشرفا، ما الذي تخفينه؟".
ويشير إلى أن كلا من غود وبريتي كانا حاضرين بوضوح كمراقبين، ويحاولان الدفاع عن الآخرين، ومع ذلك انجرا إلى الفوضى، وأطلقت النار عليهما من مسافة قريبة على يد عملاء ما كان ينبغي لهم إطلاق النار ابدا.
ومع ذلك، يصر فريق ترامب على براءة إدارة الهجرة والجمارك، مع أنه ليست هذه هي الطريقة لبناء شرعية لجهود الحكومة في تعقب وترحيل المهاجرين غير الشرعيين، كما يقول فريدمان.
ويذكر أن غريزة “أطلق النار، استعد، صوب” نفسها هي إحدى التداعيات الأخلاقية المفسدة لحرب إسرائيل على غزة. أحد الصحافيين الفلسطينيين الذين قتلوا في الغارة الجوية الإسرائيلية يوم الأربعاء، عبد الرؤوف شعث، كان يعمل لسنوات مصورا لشبكة “سي بي إس” الإخبارية وغيرها من وسائل الإعلام، أما الآخران فهما الصحافيان المحليان محمد صلاح قشتة وأنس غنيم. وبحسب ما ورد، كانوا في مهمة لتصوير توزيع مساعدات من قبل لجنة الإغاثة المصرية عندما استهدفت سيارتهم.
ويتساءل إن كانت تلك هي الطريقة الوحيدة للتعامل مع الموقف خلال وقف إطلاق النار؟ شن غارة جوية فورية ثم طرح الأسئلة لاحقا؟ ويعلق بالقول إن إسرائيل قادرة على اغتيال علماء نوويين في إيران في جنح الظلام من على بعد 1200 ميل، ومع ذلك تعجز عن التمييز بين صحافي ومقاتل في وضح النهار بجوارها؟ إنه لأمر مخز، مشيرا إلى أن ذلك يأتي بعد اشهر فقط من مقتل الصحافي حسام المصري، مراسل رويترز، على درج مستشفى ناصر في غزة في آب/ أغسطس الماضي.
ويقول فريدمان بأن ما يحدث فعلا هو أن نتنياهو يترشح لإعادة انتخابه، فيما تحتل إسرائيل حاليا ما يقارب 53% من قطاع غزة، بينما تسيطر حماس على النسبة المتبقية البالغة 47%. ويسعى ترامب، بدعم من مصر وقطر وتركيا، إلى إجبار حماس على نزع سلاحها واستقالة قادتها العسكريين وتحويلها إلى كيان سياسي بحت. في المقابل، يتوقع ترامب من إسرائيل البدء بالانسحاب نحو حدودها.
ويضيف أن نتنياهو يدرك أنه إذا ترشح للانتخابات في ظل استمرار نفوذ حماس السياسي في غزة وانسحاب الجيش الإسرائيلي، فسيتعرض لهجوم شرس من المتطرفين اليمينيين في ائتلافه. هؤلاء الحلفاء لا يكتفون بالبقاء في غزة، بل يطمحون إلى ضم الضفة الغربية. لذا، يريد نتنياهو استمرار الحرب، واستفزاز حماس لخوض القتال حتى لا يضطر إلى الانسحاب.
وما يجري في أمريكا مشابه، فترامب يعتقد على ما يبدو أن الفوضى في مينيابوليس ستصب في مصلحة حزبه في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر، رغم أن استطلاعات الرأي تظهر أن غالبية الأمريكيين يرفضون أساليب إدارة الهجرة والجمارك. وهو يراهن على قدرته على خوض الانتخابات بشعار “القانون والنظام” الذي تغذيه المشاعر المعادية للهجرة.
ويستدرك بالقول إنه مع ذلك، ثمة وجهة نظر أخرى داخل البيت الأبيض. فقد زار نائب الرئيس جيه دي فانس مينيابوليس الأسبوع الماضي لحث المسؤولين المحليين على التعاون مع العملاء الفيدراليين “لتهدئة الأوضاع والحد من الفوضى”. فجأة، أصبح فانس، المعروف بنظرته التشاؤمية، صوت الهدوء والعقلانية. ويفسر ذلك بأن فانس يستغل مخاوف المشرعين الجمهوريين الذين يخشون أن تؤدي أنشطة إدارة الهجرة والجمارك إلى كارثة انتخابية في انتخابات التجديد النصفي.
ويخلص إلى أن كلا من ترامب ونتنياهو وحماس يتطلعون إلى الفوز في انتخابات عام 2026، وأنه يجب على سكان مينيسوتا وإسرائيل وغزة أن يضعوا هذا في اعتبارهم، محذرا من أنه إذا حافظ ترامب على سيطرته على الكونغرس، وإذا فاز نتنياهو بولاية ثانية، وإذا سيطرت حماس على الحركة الفلسطينية، فإن المجتمعات الثلاثة ستنزلق إلى ظلام يصعب الخروج منه.
