يوسف ابو سامر موسى*
في مشهد يتكرر منذ عقود، ويزداد وحشية مع مرور الزمن، يواصل الكيان الصهيوني سياساته القائمة على القتل والاعتقال والقمع الممنهج بحق الشعب الفلسطيني، في ظل صمت عربي رسمي، وتواطؤ دولي فاضح، وعجز أخلاقي يرقى إلى مستوى الشراكة غير المعلنة في الجريمة.
سياسة الاعتقال: أداة قمع دائمة
أمام ما أعلنته مؤسسات الأسرى الفلسطينيين، يمكن الجزم بأن الكيان الصهيوني يعتمد سياسة إعادة ترميم أعداد الأسرى بشكل دائم، بحيث يبقى الرقم ما بين عشرة آلاف إلى أحد عشر ألف أسير رقمًا شبه ثابت. هذا الثبات ليس عارضًا ولا ناتجًا عن ظروف أمنية طارئة، بل هو تعبير واضح عن عقيدة صهيونية ترى في الاعتقال الجماعي أداة ردع وسيطرة، ووسيلة لإخضاع المجتمع الفلسطيني بأكمله.
في العقل الصهيوني، تكديس الأسرى ليس مجرد إجراء أمني، بل هو جزء من منظومة السيطرة الاجتماعية والسياسية، يُبرَّر تحت مسميات فضفاضة كـ"الأمن القومي"، بينما هو في حقيقته عقاب جماعي وجريمة مستمرة بحق المدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء.
أرقام تكشف حجم الجريمة
حتى بداية شهر كانون الثاني/يناير 2026، تشير المعطيات إلى ما يلي:
بلغ عدد الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال أكثر من 9350 أسيرًا ومعتقلًا.
من بينهم 53 أسيرة، بينهن طفلتان.
350 طفلًا محتجزون في سجني مجدو وعوفر في ظروف قاسية ومخالفة لكل المواثيق الدولية.
3385 معتقلًا إداريًا، دون تهمة أو محاكمة، في انتهاك صارخ لأبسط معايير العدالة.
1237 معتقلًا صنفهم الاحتلال تحت مسمى "المقاتلين غير الشرعيين"، وهو توصيف سياسي-أمني يُستخدم للالتفاف على القانون الدولي، هذه الأرقام لا تمثل إحصاءات جافة، بل تعكس مأساة إنسانية متواصلة، وعائلات مدمَّرة، ومستقبلًا يُسلب من جيل كامل.
الاعتقال الإداري: بدعة صهيونية
يُعد الاعتقال الإداري أحد أخطر أشكال القمع التي يمارسها الاحتلال، وهو نظام لا يُعمل به بهذا الشكل المنهجي إلا في الكيان الصهيوني. اعتقال بلا تهمة، بلا محاكمة، وبلا سقف زمني واضح، يُجدد بقرارات عسكرية سرية، في انتهاك مباشر لكل القوانين والاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف.
ورغم وضوح الجريمة، يواصل المجتمع الدولي صمته المطبق، وكأن القانون الدولي يُطبَّق انتقائيًا، ويُعطَّل عندما يكون الضحية فلسطينيًا.
إزدواجية المعايير الدولية
المفارقة الصارخة تتجلى اليوم في الجهود الدولية التي فاقت المتوقع للضغط من أجل وقف إطلاق النار في غزة، ليس حمايةً للفلسطينيين من الإبادة الجماعية، بل بسبب عجز المقاومة عن تحديد مصير جثمان أسير صهيوني واحد، في المقابل، يتم تجاهل آلاف الأسرى الفلسطينيين، والمفقودين، والشهداء تحت الأنقاض، وكأن دم الفلسطيني أقل قيمة، وكأن معاناته لا تستحق حتى الإدانة اللفظية.
هذه الازدواجية ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر فجاجة، حيث تتضامن دول كبرى مع الكيان الصهيوني، وتمنحه الغطاء السياسي والعسكري، من أجل "جثة أسير صهيوني" بينما تُغلق أعينها عن مجازر موثقة، وجرائم ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
صمت الأنظمة وخوف العالم
يبقى السؤال المؤلم: إلى متى يستمر هذا الصمت؟
إلى متى يبقى الخوف سيد الموقف في عالم يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان؟
إن صمت الأنظمة، لا سيما العربية والإسلامية، منها، لم يعد مجرد تقصير، بل أصبح موقفًا سياسيًا يُشجع الكيان الصهيوني على التمادي في غطرسته، مدعومًا بظلم أمريكي واضح، وانحياز أعمى "لإسرائيل" على حساب الحقيقة والعدالة.
خاتمة: إن قضية الأسرى الفلسطينيين ليست ملفًا إنسانيًا فحسب، بل هي قضية سياسية وأخلاقية تختبر مصداقية العالم بأسره. فإما أن يكون القانون الدولي مظلة للعدالة، أو مجرد أداة انتقائية تُستخدم لخدمة الأقوياء.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى صوت المظلومين أعلى من الصمت، وتبقى فلسطين شاهدًا حيًا على سقوط الأقنعة، وعلى عالم يرى الظلم… ويختار الصمت.
*باحث سياسي / فلسطين
