شحدة ضرغام
ما إن وضعت قدمي على عتبة البيت، حتى استقبلني خبر
"انتهى الطحين. لا عجين، لا خبيز."
قالوها كمن يعلن موتًا بلا جنازة.
لم أجب. كنت مثقلًا بما لا يُقال، عائدًا من رحلة طويلة عبر شوارع لا تعرف الرحمة، حيث اختفت العربات، حتى تلك التي كانت تجرها الحيوانات كأنها ذابت في الهواء.
جلست للحظة في صمت يوشك أن يتحول إلى استسلام. كان في داخلي صوتٌ خافت يدعوني للبقاء، لإغماض العين، للتظاهر بأن شيئًا لم يُقَل. لكن الجوع لا يُقنعه الصمت، والجسد الجائع لا يخدع نفسه طويلًا.
نهضت. جسدي يسير، لكن روحي تتكئ على عصا من صبرٍ هش.
خرجتُ أبحث عن شيء لم يعد له اسم: ليس طحينًا، بل رمزًا، ضرورة، شيء يُبقيك حيًّا كي تستمر في الموت البطيء.
السماء كانت مشغولة بمراسم قصفها اليومي، طائرات تدور، انفجارات تتوالى، ورائحة البارود تعتلي روائح الخبز الغائب.
وقفتُ أمام بائع، سألت:
– "في طحين؟"
قاطعني، كمن لا يريد سماع الضعف:
– "ما في. ولا تدوّر، ريّح حالك."
قالها وانصرف، كأن في صوته عزاءً مختصرًا.
هممت بالرحيل حين أشار رجلٌ على الطرف:
– "فيه واحد بيبيع قمح."
ركضت. كأن الركض ذاته صار فعل مقاومة.
وجدت الطابور يمتد كطريق نحو الغموض. وقفت، بلا كيس، بلا نية واضحة سوى أن أحاول.
من بين الواقفين، قال أحدهم:
– "اللي ما معه كيس، يدبر حاله."
كادت هذه العبارة تفتت ما تبقى مني، لولا يدٌ من خلفي امتدت وفيها كيس:
– "ولا يهمك... خذ."
ابتسمت، وربّتّ على كتفه. في ذلك اللمس، شعرت أن شيئًا هشًا لا يزال على قيد الحياة فينا: الإنسانية.
عندما وصلتُ إلى الكيس، بدأت الأسئلة تثقل عليّ: كيف يُصبح القمح طحينًا؟ كيف أعود به؟ أين الرحى؟
لكنني عرفت أن السؤال لا يحرّك حملًا، فوضعت الكيس على ظهري، ومضيت.
رأيته: رجل يدفع عربة يد، والقمح عليها يستريح كما يستريح الميت على النعش. طلبت منه أن يساعدني. وافق. صرنا رفيقي درب، نحمل معًا وجع الطحين.
دلّني إلى مطحنة مستحدثة عند مدخل المخيم، كأن الناس أعادوا اختراع الحياة وسط الأنقاض.
لكنني ما إن وصلت حتى ابتلعني طابور آخر، طويل كزمن الشتات.
وقفت، أتنقل بكيس القمح خطوةً خطوة، كمن يحمل الوطن في كيسٍ صغير.
هدير المطحنة كان يعلو على كل صوت، حتى على أصوات الناس.
لكن فجأة، ساد الصمت. ثم، بدأ الضجيج من جديد، لا في الماكينات، بل في الألسنة:
– "خربت."
– "خلص الوقود."
– "بدهم يريحوها شوي."
كلها أجوبة، لكنها تشبه الأسئلة أكثر.
أسئلة عن القدرة، عن الانتظار، عن جدوى الوقوف.
الشمس بدأت تنسحب من السماء، والبرد يتسلل كما يتسلل اليأس.
وأتى صوت حاسم:
– "بكرة بنكمل."
انتهى اليوم كما بدأ: دون خبز.
عدت إلى البيت، أجرّ قدميَّ كما لو كنت أسحب هذا الكيس الثقيل من رماد التاريخ.
ألقيت بجسدي على الفراش، شعرت أنني لم أعد أملك حدودي، كأنني ذبت في كيس القمح.
أغمضت عيني، وسألت نفسي سؤالًا بسيطًا بدا أكبر من الكون:
هل سأطحن هذا القمح يومًا؟
هل سنأكل؟
أم أننا نُولد فقط كي نقف في طوابير لا تنتهي، ننتظر شيئًا قد لا يأتي؟
وربما، كان القمح هو من يسألني بصمت:
هل أنت من يحمله، أم أنك أنت المحمول؟.
