هبة دهيني – وكالة القدس للأنباء
أمام مشاهد القتل والتّدمير الممنهَجِ كدَيدَنٍ يمارسه العدوّ "الإسرائيليّ" في قطاع غزّة، تظهرُ أصواتٌ واهيةٌ بعيدةٌ عن ألمِ الفلسطينيّينَ تحت الرّكام، وجاهلةٌ للتّفريقِ بين طريقَين لا ثالثَ لهما، إمّا الحقُّ حيثُ المقاومةُ وشعبُها، وإمّا الباطلُ حيثُ الاحتلالُ وداعموه. أصواتٌ تنادي بالحيادِ والاتّكاءِ على هوامش الإبادة والمعركة الكبرى في القطاع بشكلٍ خاصّ، وفي عُموم المنطقةِ بشكلٍ عامّ، يتبعُها صدًى "إسرائيليّ" يمشي على غرار الصّوت، وكأنّ الحربَ لم تعلّم "الهامشيّينَ" بعد، أنّ السّاكت عن فلسطينَ صهيونيٌّ ناطق.
يُدلي كثيرونَ بآرائهم يوميًّا حولَ الحرب الدّائرة في غزّة، حتّى يكادُ أحدهُم يُقدّم للجلّادِ ذريعةَ قتلَهِ للضّحيّة، نصيبهُم من المعركةِ موقفٌ دميمٌ يُرمى في جُبّ تفكيرهُمُ المبرِّر لفعل الاحتلال، والّذي يضعُ كِلا الطّرفَين في كفّة "البراءة"، بانتظارِ إثباتِ الإدانة! هؤلاءِ ربّما لم يُبصروا حمّام الدّمّ الغزّاويّ بعد، ولم يرَوا أشلاءَ أكثر من ثلاثينَ ألفَ شهيد، لم يُدركوا حجمَ الأحلامِ الّتي دُمّرَت، والأطفالِ الّذينَ وُلدوا من رحمٍ يتيمٍ، فيُتّموا فورَ الولادة، قبلَ أن يتحوّلوا لشهداءَ بعد يومٍ أو اثنَين، هؤلاء الشّهداء الّذين إن صدقنا محبّتهُمُ اتّبعنا طريقَ دمائهم، ولم نَحُد عن سبيل المقاومةِ فيهم قيدَ أنمُلة.
إنّنا جميعًا مجنّدونَ في هذهِ الحرب، حتّى ولو لم نحمِلِ السّلاحَ ونقف على جبهاتِ النّضال والمساندةِ لغزّةَ وشعبها، فنحنُ مجنّدونَ بسلاح الموقفِ والكلمةِ والصّوتِ والمقاومة اليوميّةِ بكلّ الطّرق الممكنة، لمقارعةِ العدوّ المستعمرِ ودحرِ أدواته كافّةً من منطقتنا، هذا المحتلّ الّذي يريد بمحاولاتهِ الواهيةِ تخدير عقولنا وإقصاءنا عن قضايانا بمفهوم "الحياد".
أجسادٌ تُنهَشُ عاريةً بدونِ مقابر، تحتَ الرّمالِ الّتي خلّفتها دبّاباتُ العدوّ وهي منسحبةٌ بعدَ توغّلها في القطاع، فتدوس على جثامين الشّهداء وتُعَرقلُ صَفوَ الفلسطينيّ حتّى في موته، ومشاهدُ كثيرة أخرى يراها هذا "المُحايدُ" كلّ يومٍ على شاشاتِ التّلفَزة كفعلٍ اعتياديّ تمارسه آلة الحرب "الإسرائيليّة"، تحوّلَت غزّة من خلالها إلى فلاة، المنازل هُدّمَت فوق رؤوس سكّانها، وبعد كلّ هذا، يأتيكَ المُنادي بالحياد، وهو نفسه المُطالب بحقّ "إسرائيل" في الدّفاع عن نفسها، هو ذاتهُ المتعلّقُ بحلّ الدّولَتَينِ كخيارٍ وحيدٍ لحلّ القضيّة الفلسطينيّةِ الّتي بالكادِ يفكّر فيها أصلًا.
لأمثالِ هؤلاء بالذّات، أقول: إنّهُما محوَرانِ لا ثالثَ لهما، محورُ المقاومة ومحور الإبادة، فحَدّد مسارك. إنّ الوقوفَ على الهوامشِ يعني فقدانَ إنسانيَّتكَ المرتبطةِ بالقضيّةِ الرّافعةِ من شأنكَ بتأييدها، لا العكس. الهوامشُ في قضايا كهذه تعني الفراغ، وأنتَ كمجنّدٍ في الحرب وَجَبَ عليكَ أن تملأ المكان الشّاغرَ لقدرتكَ على القتال، الموقفُ سلاح، والأسلحةُ لم تُخلَق لِتُخَبَّأَ بل لتُرفَعَ بوجه المحتلّ الغاصب، ولتُثقِلَ الأكتاف. ولا يجب أن يكون بعيدًا عنكَ أن تكونَ عقلًا مسلّحًا تقارعُ العدوّ من مكانكَ هذا، أو أن تتمنّى الموتَ على طريق فلسطينَ كلّما أبصرتَ وحدةَ الدّم والمصير، وقوفكَ على "الحياد" يعني إسكاتَ صوتٍ مسلّحٍ في إحدى المحوَرَين، فإمّا أن تُعاضدَ القضيّةَ وتلحقَ بمن بات على الطّوى لأجل الحقّ، وإمّا أن لا تبلُغَ الفتحَ بلِ الخبال، فأجسادُ شهداء فلسطينَ ستجتمعُ يومًا مطالبةً إيّاكَ بصوتك، أينَ وضعتَهُ ولمَ تركتهُ على أرصفةِ الشّوارع يتسوّلُ حياةً فارغةً مُغترًّا بما فيهِ من حرّيّة، وهو منعتقٌ لعبوديّةِ الاستعمارِ الّذي حاولَ إسكاتَ أصواتنا من قبلُ تُجاه القضيّةِ ولا يزال، فإنّ الحيادَ هذا تُجاه قضيّةٍ بهذا الوضوح، صوتٌ للعدوّ كذلك.
