أسماء بزيع – وكالة القدس للأنباء
تُلقب "النيران الصديقة" بلفظ يتناقض مع معناها الحرفي، حيث تشير إلى الرمي بالأسلحة داخل صفوف الجيش نفسه، مما يؤدي إلى سقوط قتلى وجرحى. فمنذ الاحتلال "الإسرائيلي" لفلسطين، شهدت المناطق الفلسطينية حوادث "النيران الصديقة"، حيث قُتل العديد من الجنود الإسرائيليين جراء خطأ في التشخيص.
في نكبة 1948، قتل اللواء ديفيد ماركوس بنيران زميل له بسبب خطأ في التشخيص، وخلال حرب عام 1956، على الجبهة المصرية، وجهت كتيبتان مدرعتان "إسرائيليتان" نيرانهما القاتلة على جنود صهاينة أدت لقتلهم. وفي حرب تموز 2006 على لبنان، تكررت الحوادث حيث قُتل وأصيب جنود "إسرائيليون" بفعل النيران الصديقة، وفي آب/أغسطس 2022، قتل الرقيب ناتان فيتوسي بنيران زميله الذي اعتقد أنه فدائي فلسطيني.
وفي الحرب الكونية الحالية على غزة، يُفتح ملف "النيران الصديقة" مجدداً، فمنذ بدء المعركة، وبالتحديد في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول، أعلن الجيش "الإسرائيلي" عن مقتل 20 جنديًا بـ"نيران صديقة" في القطاع، مما يشكل خمسة أضعاف عدد الجنود الذين قتلوا في المعركة البرية، والذي ارتفع إلى 105. وفي تفاصيل الحوادث، قتل 13 جنديًا بنيران الجيش "الإسرائيلي" بسبب تحديد هويتهم بشكل خاطئ على أنهم مسلحون فلسطينيون. والقتلى تنوعوا بين القتل بالنيران الجوية والدبابات، وحوادث الدهس بالدبابات والنقل المدرع، فضلاً عن الإصابات بشظايا ورصاص طائش. وكان الجيش قد أشار إلى مجموعة متنوعة من الأسباب وراء الحوادث، بما في ذلك الإرهاق ونقص التنسيق، مع التأكيد على أن الحوادث العملياتية وإطلاق النار الثنائي كان ينبغي تجنبها.
في 9 يناير/كانون الثاني للعام 2024، كشفت مصادر "إسرائيلية" عن أنه كان "الأقسى" على جيش الاحتلال "الإسرائيلي" في حربه على القطاع، حيث أفادت المصادر بمقتل وإصابة 9 ضباط وجنود في هجومين منفصلين خلال معارك الـ24 ساعة التي مضت. فالهجوم الأول ناتج عن انفجار ذخيرة بشاحنة، بينما الثاني نجم عن قصف مبنى جنوبي القطاع، لتكشف إذاعة الجيش "الإسرائيلي" في اليوم التالي عن مقتل جنديين في تشرين الثاني/نوفمبر "الماضي" بعد قصف دبابة "إسرائيلية" لمبنى في غزة، يتضح لاحقًا أنه مقر لكتيبة من جيش الاحتلال، ووصفت الإذاعة الحادث بأنه "خطير وغير عادي"، حيث تم قصف طابق المبنى بقذيفة دبابة، ما أدى إلى مقتل جنديين على الفور. وهذا الإعلان يعد فشلاً جديدًا للجيش "الإسرائيلي" ولأجهزة أمن الاحتلال، بعد سلسلة من العمليات المشابهة لها منذ عملية "طوفان الأقصى" التي شنتها المقاومة الفلسطينية.
قتل أسراهم:
في قصة إجرامية أخرى تتجسد فيها حقيقة "النيران الصديقة" التي أبدع بها العدو الصهيوني، كشفت وسائل إعلام عبرية عن حادث مروّع وقع في منتصف كانون الأول/ديسمبر الماضي، خلال عملية في حي الشجاعية شمال غزة، عندما كان ثلاثة أسرى "إسرائيليين" وهم يوتام هاييم (28 عامًا)، وسامر طلالقه (22 عامًا)، وألون شامريز (26 عامًا)، قد نجحوا في الهروب من قبضة المقاومة في القطاع، وبعد خروجهم من المبنى، حملوا رايات بيضاء وهم يناشدون باللغة العبرية "أنقذونا". جندي رأى الأسرى بدون قمصان ومحملين برايات بيضاء، ولكنه اعتبرهم تهديدًا، وبدأوا بإطلاق النار عليهم، ما أسفر عن مقتل اثنين وإصابة الثالث. وفي ختام الحادث الذي أثار غضبًا داخل "إسرائيل"، صرخ الرهينة الباقي من مخبئه، "أنقذوني.. أنقذوني" باللغة العبرية، فكانت نهاية لثلاثة أسرى هموا بـ"الهرب"، لكنهم وجدوا الموت على يد "نيران صديقة" كان من المفترض بأنها "ستحميهم".
في فصل جديد من فصول الفضائح، كشفت وسائل إعلام عبرية عن حادث مروّع قرب مستوطنة 'بئيري'، عندما قامت دبابة "إسرائيلية" بقصف منزل يحتجز فيه "رهائن إسرائيليين". وأظهر تحقيق قناة 12 العبرية صورًا التقطتها طائرة لشرطة الاحتلال، تُظهر قصف الدبابة المنزل بوضوح، وتشير الأنباء إلى أن "الرهائن" أُصيبوا خلال القصف، ورغم وجود تجمع كبير لقوات الأمن "الإسرائيلية" في المكان، فإنهم لم يتحركوا لإنقاذ الأسرى.
وفي رد فعل على هذا الحادث، أعلن جيش الاحتلال نتائج التحقيق، معبرًا عن أسفه لمقتل الأسرى بنيران قواته. أمّا رئيس هيئة الأركان "الإسرائيلية"، هرتسي هاليفي فأكد أن مقتل الأسرى خلال هذا الحادث هو "حادث خطير"، وأشار إلى فشل الجيش في مهمة إنقاذهم، معبرًا عن المسؤولية عن هذا الفشل.
ومن الواضح جدًا أن "إسرائيل" تفقد الحساسية تجاه قيم الحياة الإنسانية، حيث يُعتبر القتل عندهم "كشربة الماء"، في ظل تصاعد أعداد جرائمهم ومجازرهم المستمرة بقتل أسراهم مع المقاومة.
وفي سياق متصل، أظهرت التقارير الصادرة حول المعارك في مستوطنات غلاف غزة في 7 أكتوبر أحداثًا مروعة. حيث تفيد المعلومات بأن مروحيات قتالية أيضًا شاركت في العمليات، قاصدة "الإرهابيين" وتصيب بعض المحتفلين، بما في ذلك "الرهائن الإسرائيليين"، وأظهرت أن هذه الطريقة القتالية تتبع نظامًا يشبه "هنيبعل"، يُطبّق في حالات اختطاف جنود أو مواطنين "إسرائيليين".
إن سجل "هنيبعل" يعكس تاريخًا أسوداً من السلوكيات "الإسرائيلية"، حيث تشير التقارير إلى قتل الجنود الصهاينة بواسطة القوات "الإسرائيلية" نفسها في سياق تحديد الهوية وسط الفوضى. وهذا التصرف، الذي يظهر بشكل أكبر في مواجهات حية، يجسد "اليد الرخوة على الزناد" في ظل تصاعد التوترات والعمليات العسكرية. فخلال الهجوم الذي شنته "حماس" في 7 أكتوبر، أكد الطيار "الإسرائيلي" المقدم إيريز قائلاً، إنّ الجيش تبنى "بروتوكول هانيبال" لمنع نقل المدنيين "الإسرائيليين" كأسرى. وفي حديثه لصحيفة هآرتس، أوضح إيريز أن هذا البروتوكول الذي يتعلق بقتل الأسرى تم تفعيله خلال الهجوم، مشيرًا إلى أن ما شهدوه كان "هانيبال جماعيًا"، حيث كان هناك آلاف الأشخاص مع الرهائن في عدة مركبات مختلفة.
هذه السيناريوهات التي تجمع بين "النيران الصديقة" ووفاة "الإسرائيليين" ينطلق من إرث ثقافي مُرَضٍ يستمد من قاعدة متطرفة مزيّفة "تفوّق العرق والدين"، وهذا الإسقاط المريض في الوعي "الإسرائيلي" يجعل الحياة قليلة القيمة فيسمح بممارسة سياسات وسلوكيات تتسم بالجنون والإستعلاء. حيث يقبل رواية قتل نفسه بالنيران على أن يُهدي المقاومة انتصارًا، متجاهلًا حقيقة ستبقى وصمة عار في تاريخه الأسود، ليبقي قليلًا من ماء وجهه الأسود أمام مستوطنيه الذين يتمسّكون بأسطورة "الجيش الذي لا يقهر".
ان كل هذه الروايات التي يتفلّت منها "الإسرائيلي" كي لا يعترف بالانتصار الكبير للمقاومة والمرير على كيانه، لا تدل إلّا على ثغرة كبيرة في جيشه، بأنه جيش غير منظّم وفي فوضى قتال. فمئات القصص والمشاهدات المصورة والموثقة لجرائمه تكسر أسطورته التي أنشدها في سابق الأعوام. وبإمكاننا القول، أنّ "طوفان الأقصى" هو فصل جديد لـ "شعب محتار" يسترخص حتى حياته ويصطادها ببرودة "الحيوانات البشرية".
