/منوعات/ عرض الخبر

تيار المقاومة والغرف المغلقة: الأدب الفلسطيني

2023/02/13 الساعة 11:17 ص
الكاتب الفلسطيني المبدع بمقاومته غسان كنفاني
الكاتب الفلسطيني المبدع بمقاومته غسان كنفاني

بقلم: نعيمة عبد الجواد*

يتقلَّب الإنسان في يومه بين حالات شتَّى؛ منها الفرح والحزن والسخرية والحب والكره، إلى غير ذلك من الحالات التي تصيغ هويته، لكن استحواذ حالة منها على المرء، تجعل منها نذيرا بتفاقم مشكلات قد تؤثّر بالسلب على حياة الفرد والجماعة.

وبالنظر للشعب الفلسطيني الذي وقع تحت سيطرة احتلال طويل الأمد، يُلاحظ أنه قد فرضت عليه حالتان: الحزن والسخرية، ولهذا، وقع الشعب الفلسطيني تحت طائلة أسئلة وجودية أفضت جميعها لطريق واحد؛ ألا وهو المقاومة المستميتة المستمرة.

وفي خضم زخم الأحداث السياسية والمآسي الاجتماعية في فلسطين، بزغ الأدب الفلسطيني من جميع دروب الأرض حيث يقطن أبناء هذا الشعب الذين إما استطاعوا العيش على أرض بلادهم، أو هُجّروا منها قسرا، أو سافروا لنشر قضية بلادهم حول العالم. واهتمت جميع ألوان الأدب الفلسطيني بمعضلة الحفاظ على الهوية، ما دمغ الأدب الفلسطيني بطابع وطني يتخذ من المقاومة سبيلا ومرتكزا؛ بسبب حرمان الشعب من وجود وطن حرّ يمكن الاحتماء به.

لقد تواتر الحديث عن الهوية الفلسطينية وضرورة الحفاظ عليها في ظل الاحتلال "الإسرائيلي" مع تزايد وتيرة أدب المقاومة والتوكيد عليه، علمًا أنه تشكَّل في الفترة ما بين نزوح الفلسطينيين عام 1948 وحرب الأيام الستة عام 1967، ما ميَّز الهوية الفلسطينية بطابع فريد منذ ذاك الحين، واستمر حتى الوقت الحالي. والرائع في أدب المقاومة هو التعبير بحرية دون خوف عن الأهوال والجرائم التي ترتكب في حق الشعب الفلسطيني من قبل المحتل الصهيوني.

وكان الكاتب الفلسطيني غسان كنفان هو من قام بسبك مصطلح «أدب المقاومة» وعرّفه بأنه الأدب الذي يقاوم القمع والاحتلال "الإسرائيلي" وينادي بالحرية والاستقلال، على الرغم من وقوع البلاد تحت طائلة المحتل. وفي كتابه «أدب المقاومة في فلسطين المحتلة» يؤكد غسان كنفاني أن أدب المقاومة في فلسطين يمكن اعتباره إلى حد ما ضربا من ضروب المقاومة المسلحة، وهو بمثابة حلقة في سلسلة تاريخ متواصل، لم يستطع أحدهم قطعه طوال نصف قرن من حياة الفلسطينيين، إلا أن نصف القرن هذا في عصر غسان كنفاني قارب في الوقت الحالي القرن من الزمان.

ويعدّ غسان كنفاني (1936-1972) من أبرز رموز المقاومة في فلسطين، الذي حمل سلاح القلم والكلمة، وكوَّن كتائب من زعماء المقاومة، سواء على الساحة الأدبية أو السياسية، على الرغم من أن حياته لم تكن طويلة؛ أنهاها المحتل عندما اغتاله في بيروت. ولم يتوان غسان كنفاني في الدفاع عن وطنه المحتل، غير آبه بالسخرية منه ومن أمثاله من الأدباء المتهمين بعدم القدرة على تخليص الوطن من الاحتلال.

وردا على ذلك، كان غسان يردد دوما: «إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أن نغير المدافعين.. لا أن نغير القضية». وربما كان ذاك سببا في استمرار حركة المقاومة، وما أطلق عليه مصطلح «أدب المقاومة» لم يشمل الأدب الفلسطيني فقط، بل جميع فروع الفنون التي تتناوله، فقد انتهج سبيل نشر قضية بلاده والدفاع عنها في كل مكان، وكأنه يحاول أن يخرجها من ظلمات الاحتلال إلى النور توكيدا لمقولته الشهيرة: «لن تستطيعي أن تجدي الشمس في غرفة مغلقة».

لقد حاول الروائي والقاص والصحفي الفلسطيني غسان كنفاني، طوال حياته القصيرة، الخروج من الغرف المغلقة من خلال أعماله الأدبية، التي نشأت من رحم الثقافة الفلسطينية، وبلغت ثمانية عشر كتابا، بالإضافة إلى مئات المقالات والدراسات التي تتناول موضوعات ثقافية وسياسية تخدم مقاومة الفلسطينيين للمستعمر. وكما كان يأمل، أصبحت أعماله الأدبية بمثابة أسلحة، عندما تمت ترجمتها إلى سبع عشرة لغة ونشرها في أكثر من عشرين بلدا، ناهيك عن تناولها في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة.

 والمقاومة التي اتخذ منها كنفاني سبيلا انتهجه مجبرا عندما أُجبر صغيرا هو وعائلته على النزوح من الوطن عام 1948، فعاش مهاجرا في لبنان، ثم ذهب إلى سوريا، حيث أكمل دراسته الثانوية في دمشق. وبدأ رحلة المقاومة منذ السنة الثانية من الدراسة الجامعية، عندما انضم إلى حركة القوميين العرب، ومنذ ذاك الحين، بدأ رحلة الجهاد التي توهجت بعمله صحافيا، إلى أن أصبح المتحدّث الرسمي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

وأهم ما يميّز الإنتاج الأدبي لكنفاني، هو تفاعله مع أحداث واقعية خاضها شخصيا، أو شهدها عن كثب وهي تحدث لآخرين. واستكمالا لدوره الرائد، كان أول من كتب عن شعراء المقاومة وشجعهم وجعل اسمهم يسطع في سماء الأدب عندما نشر إنتاجهم الأدبي في الجريدة (الهدف)، التي يترأس تحريرها، والاهتمام نفسه وجهه للأزجال الشعبية، ما أعطى الفرصة للكثيرين أن يعبروا عن مقاومتهم المستعمر بكلمات يفهمها العامة، ما يؤجج روح المقاومة. ولتشجيع هذا اللون الشعري، قام بتأليف كتاب عن شعراء المقاومة، تحت عنوان «شعراء الأرض المحتلة». إلى جانب مقالاته ومحاضراته التي كرَّسها لهؤلاء الشعراء من أجل إعلاء كلماتهم الحماسية.

ومن الممكن أن الصفات الشخصية لذاك الأديب والرائد السياسي والشعبي غسان كنفاني كانت عاملا مساعدا لالتفاف الناس حوله والوثوق به؛ فكان يتميز بالتواضع والإخلاص في عمله والولاء التام لقضيته. أضف إلى ذلك، لم يكن أي شعور بالعداء تجاه أي كان، وكذلك لم يكن له عدو. وكانت نزاهته وعفَّته خصلتين جعلت شعوب العالم تصدّق تكريسه لذاته من أجل خدمة بلده؛ ففي حين كان يعرض عليه الألوف من الأموال ويرفضها، كان يستدين العشرة ليرات من أصدقائه. وعلى عكس الكثيرين الذين لم يستطيعوا الصمود أمام شظف مقاومة تيار الاحتلال لهم. لم يقنط من إمكانية تحقيق آماله.

ومن أعماله الأدبية التي اتخذت من الرمزية الواضحة سبيلا لإبراز ما يسميه بأدب المقاومة قصة «القميص المسروق» التي نال عنها جائزة أدبية، ورواية "عائد إلى حيفا" يصف فيها تهجير مواطني حيفا من مساكنهم ومدنهم، ولقد عاش «غسان كنفاني» بالفعل تفاصيل هذا الواقع في طفولته عندما تم تهجير عائلته قسراً من موطنها الأصلي. وهذا في حد ذاته نوعا من المقاومة والتوكيد على الهوية. أما رواية «رجال في الشمس» التي رصدت معاناة الفلسطينيين عند رجوعهم للوطن عبر الصحراء، ما قد يهدد مصير القضية الفلسطينية ويجعل منها كفاحا من أجل لقمة العيش.

مسيرة حياة «غسان كنفاني» القصيرة تؤكد أن المقاومة الشرسة تكمن في البساطة والتعبير الحر عن المخاوف، من خلال الرصد الصادق لما يمر بالفرد من أحداث. ولهذا، أصبح أدب المقاومة في فلسطين سمته السخرية والأسئلة الوجودية وتوكيد الهوية.

------------------

*كاتبة مصرية

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/190047

اقرأ أيضا