/مقالات/ عرض الخبر

عندما تضاف الفاشية الى الصهيونية

2023/01/09 الساعة 10:49 ص
حكومة الفاشية الصهيونية
حكومة الفاشية الصهيونية

بقلم: راغدة عسيران

نشأت الحركة الصهيونية بالتزامن مع القوميات الأوروبية في القرن التاسع عشر، لكنها اختلفت عنها كونها اعتبرت أن الديانة اليهودية تشكل قومية، في حين كانت القوميات الأوروبية مبنية أساسا على الأرض واللغة، ما أنتج حركات انفصالية في عدد من هذه الدول الحديثة، التي ثم قمعها أحيانا أو منحها أشكالا من الإدارة الذاتية.

اختلفت الحركة الصهيونية جذريا عن الحركات القومية التي نشأت حينها، كونها أولا عابرة للدول والقوميات، وهي بحاجة الى دعم الدول الأوروبية واحتضانها. فتم توظيفها في المشاريع الاستعمارية الغربية (البريطانية خاصة) لتكون جسرا وبوابة للنفوذ الغربي في العالم العربي والإسلامي. وثانيا، هي حركة استيطانية غربية اختارت، لأسباب استراتيجية قبل الدينية، الاستيطان في فلسطين، في قلب العالم العربي.

لقد مهّدت الدول الغربية للاستيطان الصهيوني في فلسطين، بتجزئة الوطن العربي (اتفاقية سايس بيكو وفرض الانتداب) وأصدار وعد بلفور المشؤوم الذي يمنح وطن للصهاينة في فلسطين. كان المستوطنون الصهاينة ينتمون غالبا الى تيارات سياسية ليبرالية واشتراكية، وحتى شيوعية، لكن سمتهم الأساسية كانت انتماءهم الى الفكر الصهيوني الاستيطاني، الذي يبرّر القتل والمجازر والتشريد بحق الشعب الفلسطيني، كونه الشعب الذي يسكن هذه البلاد منذ آلاف السنين، وكونه يرفض الخضوع للغزاة ومشاريعهم الإلغائية.

ينتمي الفكر الصهيوني الى الفكر الغربي الاستعماري الاستيطاني الذي نشأ في الدول الغربية مع ما أطلق عليه اسم "الاكتشافات"، والذي يبرّر المجازر بحق الشعوب المستضعفة (المُكتشَفة) في العالم، وإبادتهم واستعبادهم مستعينين بالنظريات العنصرية التي صاغتها الشرائح المتعلّمة الأوروبية، والتي تدعي تفوق العنصر "الأبيض الأوروبي" على شعوب العالم. أضافت الصهيونية اللمحة الدينية على هذه العنصرية المتأصلة بالفكر الاستعماري، بالادعاء بتفوق "اليهود" على البشر كلهم، كما أضافت اليه تاريخا وهميا اخترعته لتبرير إلغاء فلسطين، تاريخها ومعالم حضارتها وشعبها، وأيضا لتبرير توسّعها نحو الأراضي المحيطة بفلسطين، من النيل الى الفرات والسيطرة عليها، عسكرياً أم سياسياٍ.

تتفوّق الوحشية الصهيونية على غيرها من الممارسات الوحشية في المستعمرات الاستيطانية التي أسستها الأنظمة الغربية في عدة مناطق بالعالم لأنها تستعين بالتكنولوجيا والعلوم المتطوّرة التي تتيح لها مراقبة الشعب المستعمَر، وتقييد تحركاته والتفنّن في تعذيبه ومحاولات كيّ وعيه، وقتله بأسلحة متطورة، كما تتيح لها استخدام القوانين لتدمير حضارته ومزارعه وسرقة أراضيه وموارده الطبيعية. تتفوّق الوحشية الصهيونية على غيرها لأنها مدعومة أيضا من لوبي صهيوني عالمي مكوّن من اليهود وغير اليهود، الذين يروّجون للأكاذيب لتبرير إلغاء فلسطين وقتل شعبها ومقاوميها.

لقد صعدت الفاشية ونمت داخل الكيان الصهيوني بعد تراكم أزماته السياسية والوجودية، أي قبل عقود من الزمن الى أن وصلت الى الحكم قبل أسابيع. ما هي الفاشية ؟

الفاشية هي إحدى تجليات الفكر القومي الذي نشأ في القارة الأوروبية، سببها الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي ضربت بعض هذه الدول (ألمانيا وإيطاليا واسبانيا خاصة).  يعتبر الفاشيون أن الليبرالية والحرية الاقتصادية والاجتماعية وعدم تجانس المجتمع (وجود أقليات دينية أو عرقية أو ثقافية أو سياسية) أضعفت الدولة القومية وتسببت بأزماتها. لذلك، تحارب الفاشية الأوروبية الأجانب التي تحملّهم مسؤولية انهيار الدولة، وتنسج الروايات والنظريات التي تؤيد التفوّق العنصري "الأبيض"، دون أن تكون بالضرورة من أنصار التوسع الامبريالي نحو البلاد الأخرى في العالم، حيث أن هذا التوسّع حصل تحت الحكم الليبرالي بشكل عام، أو أن تكون من أنصار الاستيطان الإلغائي، كما هي الصهيونية.قد تستفيد الأنظمة الليبرالية من نمو الحركات الفاشية للضغط على المجتمع وقمع الحريات وللقيام بأعمال غير شرعية كالاغتيالات. الحكم الفاشي يلغي الحريات العامة والديمقراطية البرلمانية، ويفرض على المجتمع سلوكا وفكرا موحدا ويقوم على تبجيل هيبة الدولة والقائد.

قبل استلامها الحكم، تشكل الجماعات الفاشية وحدات شبه عسكرية وتشنّ حملات إرهابية على من تعتبرهم أجانب، وفي الحالة اليهودية الصهيونية، من تعتبرهم "أغيار"، أي الفلسطينيين، سكان البلاد الأصليين. لا تتردّد هذه الجماعات من قتل وحرق وتعذيب "الأعداء" وعن الترويج لآرائها العنصرية وعن تهديدها بالقتل والتهجير.

في فلسطين المحتلة، حيث إقيمت المستوطنة الصهيونية على أراضيها، يشير صعود الجماعات الفاشية الى الأزمة التي يعيشها الكيان، في داخله ومع خارجه (الرافض شعبيا لوجوده) رغم تفوقّه التكنولوجي والعسكري على دول المنطقة، تراجعت هيبته بعد فشله المتكرّر في الحروب الدموية التي شنّها ضد الشعب الفلسطيني ومقاومته، وضد المقاومة في لبنان. ولم تعد أكاذيبه تقنع الكثير من المجتمعات في العالم التي تشاهد اليوم بأعينها وحشيّته وعنصريته.

داخليا، وبعد أكثر من سبعين عاما، لم يعد الكيان الصهيوني الملجأ الآمن ليهود العالم، وفشل المشروع الصهيوني بإقامة كيان يهودي كما كان يحلم به، رغم توسيع مستوطناته وتكاثر عدد مستوطنيه، بسبب تشبث الشعب الفلسطيني بأرضه ومقدساته وهويته. تعتقد الجماعات الصهيونية الفاشية، كسائر الجماعات القومية الفاشية في العالم، أن بإمكانها القضاء على أسباب أزماتها بممارسة أقصى درجات العنف ضد من تعتبرهم "تهديدا" لأمنها ومشروعها القومي، أي ضد الشعب الفلسطيني وحاضنته العربية والإسلامية.

في كيان العدو، الصهيونية هي الأساس، والفاشية تعبير عن أزماته الوجودية. في الغرب الامبريالي، يرفع الفاشيون الراية الدينية بتشويه محتويات الأديان لتصبح أداة للتمييز العنصري والقتل، كما هي الصهيونية أصلا، في حلّتها الليبرالية أو الفاشية.  فإضافة الفاشية الى الصهيونية ليست إضافة نوعية في التعامل مع الشعوب غير اليهودية، الفلسطينيون والعرب أساسا، بل إضافة تراكمية وتصعيدية، كالتهديد بسحب الجنسية من فلسطينيي 48 أو بتشريع اعدام الأسرى أو سرقة الأرض وهدم البيوت والقرى، ذلك لأن الصهيونية بحد ذاتها تشكّل تهديدا للوجود الفلسطيني، كما ثبت منذ إقامة الكيان.لكن يمكن اعتبارها إضافة نوعية إزاء المجتمع الاستيطاني الصهيوني ذاته، حيث بدأ التلميح باتخاذ إجراءات ضد التعبيرات الليبرالية وبعض الحريات التي يعتبرها الفاشيون مسؤولة عن تفكّك مجتمعهم، إجراءات قد تعمّق الشرخ بين الانتماءات السياسية والدينية والأثنية.

أصدرت بعض العواصم في العالم التحذيرات من تشكيل حكومة فاشية والإدانات لما قام به أحد وزرائها، عندما تسلّل بن غفير للمسجد الأقصى واقتحمه لبعض الدقائق، ليس دفاعا عن القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني ومقدساته، بل لمنع تغيير "الوضع القائم" وللتأكيد على "حل الدولتين". تخشى هذه العواصم اندلاع ثورة فلسطينية عارمة ردا على استفزاز الفاشيين وتسعى لإبقاء مسألة "الحلّ السلمي" مطروحا، لشلّ التطلعات الفلسطينية نحو الحرية وإبقاء حالة الانقسام السياسي. لكن لا سبيل للتخلص من الفاشية والصهيونية إلا بمقاومة شاملة ضد الكيان الاستيطاني تجمع الشعب الفلسطيني على كل الأرض المحتلة، بدعم ومساندة الشعوب الحرة.

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/188856

اقرأ أيضا