/مقالات/ عرض الخبر

كأس العالم تسقط أوهام التطبيع

2022/11/28 الساعة 12:58 م

بقلم: اسيا العتروس*

كثيرة هي الرسائل والاشارات التي سترتبط بفعاليات كأس العالم لكرة القدم، اللعبة الاكثر شعبية بين مختلف شعوب الارض من فقرائها الى اغنيائها والتي احتضنتها ولاول مرة دولة عربية اسلامية بما جعل أنظار لا عشاق هذه اللعبة، ولكن غيرهم ايضا ممن لم تكن كرة القدم تستهويهم، تتجه الى الدوحة لاكتشاف ملابسات هذه الدورة التي تسلل اليها دون سابق انذارالاعلامي والسياسي والثقافي بما فرض قراءة ما رافق المنافسة الرياضية الميدانية مع ما يحدث في مدارج المتفرجين وفي الشارع القطري من شعارات مناصرة للقضية الفلسطينية... لا أحد بامكانه التكهن بما ستحمله كأس العالم من مفاجات في الاسابيع المتبقية في هذا الموسم الرياضي، ولكن الاكيد ان عنصر المفاجأة وامتزاج السياسة والرياضة قائم ومستمر حتى النهاية…

تفرض كأس العالم هذا الموسم نفسها على كل شعوب الارض لا سيما تلك التي قد تجد فيها فرصة للهروب من واقع قاتم متأزم لتمنح نفسها بعض الوقت لمعانقة الابداع في مجاله الرياضي والتمتع بما يستعرضه اللاعبون الكبار من ابداعات رياضية تأخذهم بعيدا عن السائد والمألوف… المثير في هذه الدورة أنه رغم كل المحاولات والدعوات للفصل بين السياسي والرياضي فانها لم تفلح لعدة أسباب بينها على سبيل الذكر لا الحصر أن هذه الدورة تأتي في خضم الحرب المستمرة بين روسيا واوكرانيا والتي فرضت بشكل او باخر اقصاء للرياضيين الروس في مناسبات سابقة من المشاركة في دورات رياضية فردية أو جماعية بدعوى معاقبة روسيا.

أما النقطة الثانية المرتبطة بدورة قطر لكأس العالم، فتاتي في خضم تعدد المحاولات من جانب البلد المنظم كما من جانب الجمهور الزائر بمختلف هوياته الى فرض وجود القضية الفلسطينية في هذه الدورة والاصرارعلى رفع الراية الفلسطينية التي لم تغب تقريبا عن أي مباراة حتى الان. ولكن تبقى النقطة الاهم وهي متعلقة بالحضورالاعلامي "الاسرائيلي" في هذه الدورة وبما كشفته وسائل الاعلام "الاسرائيلية" الحاضرة في الدوحة من رفض لوجودها وتغطيتها لهذا الحدث، حتى أن الطاقم "الاسرائيلي" وجد نفسه وبدلا من نقل اجواء المونديال يتحدث للمتتبع "الاسرائيلي" عن محاصرته وعزله في الزاوية كلما كشف عن هويته "الاسرائيلية"، حتى انه أجبر على النزول من سيارة الاجرة عندما عرف السائق بهويته "الاسرائيلية".. وسيتكررالمشهد في أحد المطاعم عندما رفض النادل خدمة الطاقم "الاسرائيلي" وطالبه بمغادرة المطعم وازالة الصور التي التقطها في المقر بمجرد ان علم بهويته.

 وستعود هذه الملاحقات في الشارع حيث سيجد الفريق "الاسرائيلي" نفسه مطوقا بأنصارالقضية الفلسطينية الذين يرفعون الراية الفلسطينية ويرددون شعارات فلسطينية أمام الكاميرا "الاسرائيلية" وهي تنقل ذلك على المباشر الى الرأي العام "الاسرائيلي" الذي يكتشف على المباشر أن محاولات المرور بالقوة ومساعي التطبيع السياسي والديبلوماسي مع بعض العواصم العربية أمر غير ممكن عندما يتعلق الامر بالتطبيع الشعبي وقد أظهر فيديو مباشر لاعلامي "إسرائيليي" يقول للرأي العام "الاسرائيلي" “سائق التاكسي أنزلنا لأنّنا إسرائيليين..” و”قال لنا أنتم تقتلون إخوتي”.. و”صاحب المطعم والحُراس طردونا وأجبرونا على شطب الصور التي التقطناها”, وكان مراسِل هيئة البثّ "الإسرائيليّة" شبه الرسميّة “كان”، دور هوفمان، كان الأكثر وضوحا في تقريرٍ مباشر من الدوحة للتلفزيون العبريّ.

 فقد كشف النقاب عن أنّ “اليوم كان يومًا معفنًا “بدأ يومنا في ساعة صباحٍ مبكرّةٍ، اعتلينا على سيارة أجرة لننتقل إلى مكانٍ آخر، ولكن عندما علِم السائق بأنّنا من "إسرائيل"، أوقف السيارة وأمرنا بالنزول فورًا منها… وعندما سأله المذيع من تل أبيب: هل قام بانزالكم من السيارة؟ فردّ عليه المراسل من الدوحة: “نعم هكذا بالضبط”…الصحفي "الاسرائيلي" ختم مراسلته بالقول ”آمل أنْ أقوم في التقريرالقادِم ببثّ أمورٍ تتعلّق برونالدو وبكرة القدم”…

رسميا قطر ليست مطبعة ولكن قطر تعد من مهَّد لوصول قطار التطبيع في منطقة الخليج منذ تسعينيات القرن الماضي بترويض من النائب السابق في الكنيست عزمي بشارة، تخلفت الدوحة عن التطبيع وتقدمت البحرين والامارات وسلطنة عمان … ولكن بقيت قطرهذا البلد الصغير جغرافيا  وديموغرافيا حاضنة القاعدة الامريكية السادسة تدير اللعبة في الكواليس وتفتح قنوات التواصل الخلفية مع الحركات الاسلامية وتستقبل حركة طالبان وتهيئ الارضية للمفاوضات الطويلة بينها وبين أمريكا وربما تكشف مرحلة ما بعد كأس العالم عن دور قطرفي أكثر من ملف اقليمي ودولي.

 التطبيع الشعبي او الفني او الثقافي مسألة لا يمكن لاصحاب السلطة فرضها عبر الاتفاقيات فالشارع العربي يظل متحفزا مصرا على رفض كل اشكال التطبيع غير ابه بما تم على الورق من اتفاقات من مصر الى الاردن او الامارات او البحرين او المغرب و هي مواقف تعكس التناقض الصارخ بين الديبلوماسية الرسمية والديبلوماسية الشعبية التي لا تترك منفذا للتطبيع دون اعتراف بحق الشعب الفلسطيني في السيادة والحرية والكرامة ..

ستبقى دورة قطر الراهنة لكأس العالم الدورة الاكثر اثارة للجدل والاكثر استحضارا للسياسة رغم تواتر التصريحات والدعوات بفصل الرياضة والسياسة وهي مسألة يبدو أنها لن تستقيم في ظل عالم يقوم على التناقضات حتى في التظاهرات الرياضية …

لسنا في اطار مناقشة المنافسة وما يدور على الميدان الاخضر فهي مهمة لا نقدر عليها ولكن الحقيقة أن ما يحدث في احيان كثيرة على وقع المنافسة الرياضية مسألة ستضيف لهذه الدورة مزيدا من  البهارات كلما تعلق الامر بالحديث عن الحريات ولجوء الفريق الالماني لتلك الصورة مكمم الافواه في اشارة ربما للانتقادات التي سبقت تنظيم هذه الدورة والاخلالات بشأن حقوق العمال الاجانب وهي مسألة تعاطت معها السلطات القطرية وحاولت التوضيح بتوجه نحو مزيد ضمان احترام هذه الحقوق وطبعا كل ذلك الى جانب بعض المحاولات لفرض شعارالمثليين خلال واصرار وزيرة (داخلية ألمانيا) على وضع شارة بالوان المثليين …

التطبيع الشعبي سيظل الامر الذي لا يمكن للكيان "الاسرائيلي" ان يتجرأ على أن يحلم به، قد يتخيل ذلك في المنام و لكن ليس على ارض الواقع

مهما كانت هشاشة الموقف الرسمي العربي فان الشعوب العربيّة تؤكِّد انحيازها لفلسطين ورفضها التطبيع..

*كاتبة تونسية

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/187487

اقرأ أيضا