/مقالات/ عرض الخبر

رفض التطبيع ورفض الاعتراف بكيان إستيطاني إرهابي

2022/11/26 الساعة 12:30 م

بقلم: راغدة عسيران

تزاحمت، في "مونديال قطر"، المواقف الشعبية العربية الرافضة للتطبيع مع الكيان الصهيوني ومستوطنيه، حتى توضّحت الصورة للمراسلين الصهاينة الذين بثوا خيباتهم الى جمهورهم العنصري، واكتشفوا أن التطبيع الرسمي لبعض الأنظمة العربية، لا يعني أبدا أن الشعوب مستعّدة لخيانة فلسطين، وإنها أصلا لا تعترف بوجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين.

الرسالة التي بعثها الجمهور العربي المتواجد في إمارة قطر، التي سمحت بدخول الصهاينة الى أراضيها، تلبية لمتطلبات المجتمع الدولي، واضحة، وهي موجهة للعرب المطبّعين، أنظمة ومؤسسات وأفرادا، أكثر من توجّهها الى الكيان العنصري ومستوطنيه.

تقول الرسالة أن الشعوب العربية ترفض الإعتراف بوجود كيان استيطاني إحلالي على أرض فلسطين وترفض تهويد المقدسات الإسلامية والمسيحية، وتدنيس المسجد الأقصى، وإقامة المستوطنات في الضفة الغربية والقدس والداخل المحتل عام 1948، وترفض عمليات القتل والاعتقال وتدمير المجتمع الفلسطيني، وبث الفتن، كما ترفض الاستعلاء الصهيوني وعنصرية مجتمعه وكل المعاهدات الدولية التي أسست لإقامة هذا الكيان، الذي تأسس على المجازر والكراهية والإرهاب.

لم يسمع الصهيوني صوت الشعب ولا يريد أن يسمعه، رغم أنه كان بإمكانه سماعه في الأردن ومصر، الدولتين المطبّعتين منذ عقود، حيث لم يؤثر التطبيع الرسمي على وجدان الشعوب التي ما زالت ترفض وجوده، ويمكن أن يسمع الصوت الرافض في الدول الخليجية المطبّعة أيضا، إن كان يبحث عن الحقيقة. لكن أراح ضميره وفكره وجاءته الصدمة في "مونديال قطر". فكان يعتبر أن الأنظمة العربية تعبّر عن وجدان الشعوب، أو هكذا كان يتمنى، وانصدم، لم يستمع الى رفض التطبيع من قبل أفراد، رياضيين أو فنانين أو كتاب، ولم يعاين ويدرس هذه الظاهرة الأصيلة في المجتمعات العربية، فاعتبر أن هذه النخبة الوطنية منفصلة عن شعبها. ففضّل سماع ورؤية من يدغدغ مشاعره، أي الذين جاؤوا الى الكيان، صحفيين مغاربة وفنانين وأساتذة وتجارعرب ومسلمين، يعيش أغلبهم في الغرب، ويتماهون مع العنصريين الغربيين إزاء المسلم والعربي ويعتبرون أن الكيان الصهيوني العنصري والإحلالي يشكّل جزيرة ديمقراطية في وسط عالم عربي "متخلف".

كما يعتقد المراسلون الغربيون أينما يحلّوا، اعتبر المراسلون الصهاينة أن الجماهير العربية سستتدفق للحديث معهم، ولكن لم يتدفّق أحد، بل على العكس، أشعرهم الجمهور العربي أن الصهاينة منبوذون في العالم العربي، لا أحد يريد التحدث اليهم، ولا يمكنهم حتى التنقّل بسيارات الأجرة القطرية أو الجلوس في مطعم، عندما يعلنون عن هويتهم الاستيطانية. رغم ذلك، ليس من المنتظر أن يغيّر الصهيوني ممارساته الإرهابية، بل سيفضل الحديث عن "معاداة السامية"، التي طالما برّرت كل جرائمه حتى اليوم.

لقد أكّد "مونديال قطر" على عدة أمور :

أولا، رفض التطبيع الشعبي مع الصهاينة ورفض الإعتراف بالكيان الاستيطاني.

ثانيا، الهوة شاسعة بين الحكام المطبّعين وشعوبهم، وأن التطبيع الرسمي لا يمكن أن يتحوّل الى تطبيع جماهيري، حيث سيظل الكيان ومستوطنيه منبوذا وغير مرغوب فيه.

ثالثا، الهوة بين عالمين، عالم يمثل الدول الغربية والأوروبية خاصة، حيث تناقش نخبه "المتنوّرة"، منذ افتتاح هذه المباراة الدولية، سبل مقاطعتها بسبب "عدم احترام قطر لحقوق الانسان"، والعالم الذي يمثل أغلبية دول العالم حيث تعرف جماهيرها أن هذه النخب المنافقة تدعم بالمقابل كيانا إرهابيا يقتل ويعتقل يوميا شباب وأطفال فلسطينيين ويحتجز جثامين الشهداء للمساومة عليهم، دون أي اعتبار انساني أو أخلاقي.

تتسم الحملة الغربية ضد قطر، بغض النظر عن هوية النظام ومدى تقاربه من الولايات المتحدة، بالعنصرية الفائقة، حيث تعود الصور النمطية الى الأذهان للتذكير بالقيم الغربية "المتفوقة" على قيم "الشرق".

رابعا، لقد ثبت في "مونديال قطر" أن المناهج الدراسية التي فرضتها الدول الغربية، الأوروبية خاصة، على الأنظمة العربية المطبّعة وغير المطبّعة، والدورات "التثقيفية" التي نظمتها المنظمات الدولية (اليونسكو مثلا) على مدار عقود من الزمن، لا تلعب أي دور في تثقيف الشعوب، التي تشاهد المجازر التي يقترفها الصهاينة في قطاع غزة والتي تعرف أن سببها هو وجود هذا الكيان الإرهابي في وسط العالم العربي. واليوم، يحاول الصهاينة تغيير المناهج الدراسية في الإمارات، ظنّا منهم أن تعاليم "الهولوكوست" والتاريخ اليهودي المزيّف قد تمحي النكبة ووحشيتهم وعنصريتهم وقد تغيّر نظرة الشعوب العربية اليهم.

خامسا، العلاقة بين السياسة والرياضة، حيث ينافق المجتمع الدولي الرازح تحت السيطرة الأميركية، عندما يؤكد أن المبارات الرياضية بعيدة عن السياسة. فعبّر أحد المراسلين الصهاينة عن استغرابه لرفض الجماهير العربية لوجوده ورفض التعامل معه، بالقول أن هذه الجماهير لا تميّز بين الرياضة والسياسة.

يردّد هذا المراسل النفاق الغربي، حيث يدعي الغرب الامبريالي، عندما يجد مصلحته بذلك، أن الرياضة توحّد والسياسة تفرّق بين الشعوب، مع أنه رفض مشاركة روسيا في هذه المباراة، لأسباب سياسية. ولم تكن يوما السياسة بعيدة عن الرياضة أو أي لقاء دولي آخر، و"المونديال" بحد ذاته يبقى ظاهرة رأسمالية استثمارية حيث يتم التمهيد لشراء وبيع اللاعبين، وتحتكر الشركات الإعلامية بث الحدث وتجني أرباحا باهظة، إضافة الى كونه ظاهرة ثقافية تبسيطية يراد منها تجهيل الناس وإبعادهم عن التفكير الجدي بمشاكلهم وأحوال بلادهم. لكن ظاهرة "المونديال" المعولمة مختلفة تماما عن لعبة كرة القدم والمباريات المحلية والوطنية، فالأولى أداة في يد الامبريالية الرأسمالية، والثانية تعبير عن ثقافة الشعوب المقهورة. 

 

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/187427

اقرأ أيضا