بقلم: راغدة عسيران
حدّدت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين يوم انطلاقتها بيوم 6/10، وهو اليوم الذي تمت فيه معركة الشجاعية (6/10/1987).في هذه المعركة، خاض المجاهدون: محمد الجمل، وسامي الشيخ خليل، وزهدي قريقع، وأحمد حلس معركة في حي الشجاعية في غزة، واشتبكوا لساعات عدة مع القوات الصهيونية بعد شهور من الملاحقة والمطاردة. فقتل الضابط الصهيوني "فيكتور أرجوان" وجرح آخرون، فيما استشهد المجاهدون الأربعة.
تربط أدبيات حركة الجهاد الإسلامي معركة الشجاعية بعملية الهروب من السجن قبل بضعة أشهر، وتعتبرها مكمّلة لها، إذ كان إثنان من بين المجاهدين، وهما محمد الجمل وسامي الشيخ خليل ممن هربوا مع الشهيد مصباح الصوري، ليواصلوا المسيرة الجهادية. ورغم استشهاد مصباح الصوري قبل معركة الشجاعية بأربعة أيام، يعتبر الشهداء الخمسة شهداء معركة الشجاعية، التي "دحرجت" الانتفاضة.
شكّلت عملية الهروب من سجن غزة المركزي، لستة من مجاهدي حركة الجهاد الإسلامي (مصباح الصوري، ومحمد سعيد الجمل، وخالد صالح، وعماد الصفطاوي، وسامي الشيخ خليل، وصالح اشتيوي)، يوم 17 أيار 1987، تصعيدا جريئا في التحدي للاحتلال، إذ يعتبر هذا السجن من أهم سجون العدو، وكانت أول عملية هروب ناجحة بعد سنوات من إحباط كافة المحاولات. وقررت المجموعة البقاء في فلسطين ومواصلة جهادها.
بعد 34 عاما من هذه العملية البطولية، في (6/9/2021)، تمكّنت مجموعة من المجاهدين، من منطقة جنين في الضفة الغربية المحتلة، ينتمي معظمهم الى حركة الجهاد الإسلامي، من الهروب من سجن جلبوع، المحصن كالخزنة الحديدية.
أثارت هذه العملية رعبا كبيرا في أوساط الكيان الصهيوني، حيث تذّكر قادتهم ماذا حصل بعد الهروب من سجن غزة. فتجنّد الكيان بكل ما يملك من قوة وتكنولوجيا لإلقاء القبض على المجاهدين الأحرار، خوفا من وصولهم لجنين، حيث انتظرهم أهلها ومجاهدوها، وكانت بوادر العمل الجهادي قد ظهرت، مع المجموعة التي شكّلها الشهيد جميل العموري، أثناء معركة "سيف القدس" (أيار/مايو 2021). رغم إعادة اعتقال المجاهدين الأحرار والانتقام منهم ومن تنظيمهم، إلا أن الفكرة قد وصلت وانتشرت، فكانت "كتيبة جنين" ثم الكتائب الجهادية الأخرى في نابلس وطولكرم وطوباس... في أنحاء الضفة الغربية.
مما لا شك فيه أن عملية الهروب من سجن غزة، ثم من سجن جلبوع، والعمليات الجهادية التي تلتها وقعت في بيئة مهيئة للانتفاضة والثورة، رغم اختلاف الظروف بين الحادثتين، لذلك، كانت الشرارة التي أشعلت الساحة. فما هي الأسباب التي تجعل من فعل مقاوم انطلاقة لموجة ثورية وانتفاضة واسعة؟
تكمن الأسباب أولا في البيئة الحاضنة لهذا الفعل المقاوم، وهو الشعب الفلسطيني البطل الذي لم يبخل يوما من التضحية من أجل تحرير وطنه والدفاع عن الأمة ومقدساتها. والسبب الآخر هو العقيدة الجهادية التي يحملها هؤلاء المقاومون الذين ينفذون عملية تفوق تداعياتها لحظة وقوعها، وهي العقيدة التي تأسس عليها أبناء حركة الجهاد الإسلامي، فكريا وسياسيا. يمكن اختصار الهدف السياسي بما صدر في الوثيقة السياسية قبل أعوام، بهذه الفقرة: "فإن الأولوية الأولى للحركة ومهمتها الرئيسة هي القيام بواجب الجهاد والمقاومة من أجل تحرير فلسطين".
لكن هذ الهدف السياسي مبني على مجموعة من الأسس الفكرية اختصرتها بعض الشعارات: "إيمان، وعي، ثورة" و"الواجب قبل الإمكن" وغيرها، أكّد عليها كافة قادة الحركة، منذ نشأتها على يد الشهيد فتحي الشقاقي.
يقول الشهيد الشقاقي: "جاءت حركة الجهاد الإسلامي من خلال وعينا على الإسلام والقرآن والتاريخ والواقع ولتكون حلاً لهذه المشكلة (وطنيين بلا إسلام وإسلاميين بلا فلسطين) والانطلاق هو من العناوين التالية: الإسلام كمنطلق والجهاد كوسيلة وفلسطين كهدف للتحرير".
ركّزت الحركة على مصطلح الوعي، وعي الذات، الوعي السياسي، ووعي العالم، حيث أن الوعي هو بداية إدراك مكامن القوة لدى الأمة، والإرادة لمواجهة التحدي الغربي ونهج المساومة. تؤمن الحركة بقدرات الإنسان على تغيير الواقع والمعادلة، كما أثبتته مرات عديدة خلال مسيرتها الجهادية.
تعتبر الحركة أن "هزيمتنا في الأساس كانت هزيمة فكر، لأن أزمتنا الحقيقية كانت أزمة فكر، جوهرها عجز هذا الفكر عن رد تحدي الفكر الغربي الحديث". يؤكد الشهيد د. رمضان عبد الله شلح، الأمين العام السابق لحركة الجهاد، على هذا المعنى بقوله "فالهزيمة النفسية هي الهزيمة الحقيقية، وإذا انهزمت نفس الإنسان لم ولن ينتصر أبداً مهما امتلك من الإمكانات وأسباب القوة المادية. والانتصار الحقيقي هو الانتصار النفسي والمعنوي قبل الانتصار الحسي والمادي. "ويؤكد على أنه "لابد من أن ندرك أن الطريق نحو تحرير وطننا ونهوض أمتنا يبدأ بتحرير إرادتنا وبقدرتنا على الصمود"، وأن "الروح المعنوية العالية لشعبنا هي سلاحنا الاستراتيجي الأمضى في ظل اختلال ميزان القوة المادي مع العدو". مسألة الوعي ليست مسألة نظرية وصراع على المصطلحات والأفكار فحسب، بل يتم تعميدها بالدم والشهادة. الاستعداد للشهادة يلازم الجهاد. والشهادة هي الحياة، يقول الشهيد فتحي الشقاقي. تحتل الشهادة مكانا خاصا لدى حركة الجهاد الإسلامي، قبل وبعد استشهاد أمينها العام في 1995.
انطلاقا من الجهاد والشهادة، تكوّنت مفاهيم أخرى تشكل فلسفة المواجهة مع العدو، منها إمكانية المواجهة، حيث تؤمن الحركة بإمكانية المواجهة وإحراز النصر ضد العدو الصهيوني، رغم إختلال موازين القوى العالمي لصالح الأعداء. والنصر له معانٍ أكبر من النصر المادي والآني، بحيث تعتبر الحركة أن ملحمة مخيم جنين والدفاع عن قطاع غزة منذ 2006، ومعركة "الكرامة" التي خاضها الأسرى هي بمثابة انتصار على العدو، كما هي كذلك معركة "سيف القدس" والمعارك التي خاضتها هذا العام (في الضفة الغربية وفي غزة)، رغم المجازر التي اقترفها العدو والدمار الذي خلفه، لأن الإنتصار المعنوي و"كيّ وعي" العدو المتغطرس يؤثران على مجرى الصراع.
تؤمن الحركة بشعار "الواجب قبل الإمكان"، معتبرة أن الشيخ الشهيد عزالدين القسام أول من طبّقه، عندما واجه مع مجموعته الصغيرة جيش بريطانيا العظمى والمستوطنين الصهاينة. ذلك لأن الإمكانية لا تحسب فقط بالسلاح والعتاد، بل بامتلاك الإيمان بالله واليقين بأحقية المواجهة، من منطلق قرآني وتاريخي وواقعي، إضافة الى الجرأة والعزيمة.
ومنذ انطلاقة حركة الجهاد الإسلامي، في الثمانينيات، اعتبرت أن عليها تقديم "الواجب" على "الممكن" وجعلت من "الواجب قبل الإمكان" شعارا لها، دون أي اعتبار لموازين القوى المادية المائلة لصالح للعدو. فانتصار "الواجب على الإمكان" هي كلمة السر التي التقطتها الحركة من "دم الحسين في كربلاء و... دم القسام في يعبد و... المقاومة الإسلامية في لبنان" يقول الشهيد فحتي الشقاقي. هي الكلمة التي تطلق الثورة، وتعطيها معنى يتجاوز الحسابات المادية، ويعبر التاريخ، من الحاضر الى المستقبل.
بالنسبة للحركة، فإن موازين القوى الدولية ليست أبدية، فهي طارئة، ولأنها ظالمة، يجب مواجهتها، كما صرّح الشهيد فتحي الشقاقي: "إنّ وجود موازين القوى على هذا الحال الظالم سبب جوهري أمام الإنسان للنضال من أجل تغييرها، وبالنسبة لنا فهذا ليس مستحيلا بل ممكن إن لم يكن حتمياً، فالأمة تملك مفردات القوة من الأيديولوجيا الحية الباعثة إلى الجغرافيا العبقرية إلى التاريخ الملهم الموحد إلى الإمكانات البشرية والمادية الهائلة".
انسجاما مع هذه الأسس الفكرية، سطّرت الحركة حضورا بارزا في كل المعارك التي خاضها الشعب الفلسطيني، في الإنتفاضات وما بين الإنتفاضات، وفي المعارك العسكرية التي خاضتها المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. ولأنها تؤمن بواجب استمرارية المواجهة والقتال، كان مجاهدوها السباقين في عدة معارك ومواجهات شعبية: في السجون، أطلق الشيخ خضر عدنان معركة الكرامة (الأمعاء الخاوية) (2012) بخوض الإضراب عن الطعام رفضا للاعتقال الإداري.
وفي العام 2015، اندلعت إنتفاضة القدس بعد عملية الطعن التي نفذها الشهيد مهند حلبي في شوارع القدس، أو العملية التي نفذها الشهيد ضياء التلاحمة يوم 21/9/2015 في قضاء الخليل، دفاعا عن القدس والمسجد الأقصى. وشاركت الحركة بقوة بمسيرات العودة في قطاع غزة، ودافعت عن المدنيين الذين كان يقتلهم العدو خلال المسيرات باصطياد الجنود الصهاينة.وفي الوقت الحاضر، أطلقت سرايا القدس – "كتيبة جنين" المواجهة المسلحة الشاملة في الضفة الغربية.
عسكريا، رفضت الحركة السكوت عن اعتداءات العدو المستمرة والصاعدة على قطاع غزة المحاصر، فقامت بمعركة "كسر الصمت"، ثم رفضت اغتيال القيادات وقادت معركة "بشائر الانتصار" وأرست معادلة القصف مقابل الاغتيال، ثم أرست معركة "صيحة الفجر" (2019) معادلة جديدة بقصف تل أبيب وارباك الحياة في "الغلاف" مقابل الاغتيال، بعد تطوير مدى صوريخها، بعد اغتيال الشهيد القيادي البارز في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي بهاء أبو العطا. في "معركة سيف القدس" التي بدأتها بقصف بسلاح الهاون دورية صهيونية، والتي شاركت بها بجميع أنواع أسلحتها، أثبتت المقاومة الفلسطينية، بكل فصائلها، أن ساحات المقاومة موحدة وأنها ستدافع عن القدس وعن كل فلسطين.
في معركة "وحدة الساحات" الأخيرة، أكّدت على وحدة الساحات دفاعا عن المقاومة الصاعدة في الضفة الغربية وعن الأسرى الذي يخوضون معركة الأمعاء الخاوية، ورفضا للاغتيالات التي نفذها العدو.
اعتبر القائد زياد النخالة، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، أن "معركة "وحدة الساحات" التي خاضها مقاتلونا الشجعان البواسل، جنبًا إلى جنب مع الشعب الفلسطيني، وحاول البعض أن يحاصرها، هي أهم بكثير مما تصورها بعضنا، سواء في ما كان يأمله العدو من ورائها، أم في ما هو ناتج عنها من آثار في مستقبل علاقاتنا وروابطنا كشعب فلسطين". وأضاف "إنها معركة فتحت آفاقًا لشعبنا الفلسطيني في الشتات، ليعمل حتى يكون جزءًا مهمًّا في المعارك المقبلة مع العدو. كذلك كانت تعبيرًا حقيقيًّا وصادقًا للشعارات التي نرفعها، بأن شعبنا واحد، ومصيرنا واحد، ومسؤوليتنا واحدة."
لم تؤكد هذه المعركة على وحدة ساحات فلسطين فقط، بل أرست مجددا شعار "الواجب قبل الإمكان" رفضا للخضوع لاعتبارات سياسية وتفاهمات و"تسهيلات" اقتصادية تمنع المواجهة، ولأنها فتحت آفاقا للعمل في الشتات الفلسطيني من أجل المشاركة الفعلية في معركة التحرير. وجسّدت مهرجانات "وحدة الساحات... الطريق الى القدس" وحدة الشعب الفلسطيني الملتف حول مقاومته. هكذا راكمت حركة الجهاد الإسلامي الإنجازات منذ 35 عاما، لأنها واصلت المسيرة، دون تغيير فلسفة المواجهة التي تبنتها منذ ولادتها.
