الأرض أرض أبونا يا يعكوڤ...

13 أيار 2021 - 08:24 - الخميس 13 أيار 2021, 20:24:33

بقلم: نواف رضوان

كيف ترون المشهد؟ ما يحدث الآن هو بالضبط ما لم يكن أحد يجرؤ على تخيّله قبل شهر أو اثنين فقط… حتّى "إسرائيل" نفسها لا تصدّق ذلك. تستطيع رؤية الدهشة في عيونهم بقدر ما هي في عيوننا. من كان يتوقّع أن يحدث ذلك كلّه؟

يحدث ذلك منذ أكثر من 70 عامًا، في كلّ يوم وساعة ودقيقة، منذ أيّام النكبة الأولى عندما جاءوا إلينا غزاة مسلّحين وقتلوا أهلنا وهجّروهم من بيوتهم وارتكبوا أبشع المجازر فيهم بتواطؤ من العالم كلّه… وها هم يريدون إعادة الكرّة فينا مرّة أخرى في الشيخ جرّاح والقدس.

ونحن أيضًا لا نصدّق، ولكنّه يحدث… يحدث في كلّ يوم عند الحواجز والأقفاص الحديديّة التي يمرّ منها العمّال في كلّ صباح، يحدث مع عربدة الشرطة والجيش والمستوطنين على الناس، يحدث كلّ يوم في قتل الفلسطينيين في الشوارع وعلى الأرصفة، وفي الاعتقالات وهدم البيوت وخطف الأطفال. إسرائيل تحبّ قتل الأطفال، منذ بداية الأحداث، حتّى الآن قتلت 17 طفلًا في غزّة. يحدث في جدار الفصل العنصريّ الذي مزّق الناس أشلاء… يحدث في عالم الغيتوهات المقسّمة والفقر وخطط التجهيل ونسب الجريمة المهولة… كلّ ذلك وأكثر يحدث منذ زمن بعيد في دولة الأبرتهايد الزرقاء.

"إسرائيل" تريدها نكبة جديدة. تريدها مجازر جديدة تُضاف إلى سجلّها الإجراميّ الحافل. تريد أن تهجّرنا من منازلنا. ونحن لا نريد سوى الحريّة والكرامة... وشيء آخر صغير لو تكرّمتم: نريد أن نحيا كما نحن نشاء… نريد حقّنا البسيط والواضح في النضال ضدّ هذه "الدولة النازيّة اليهوديّة".

يريدونها نكبة جديدة، ولكن ولّت أيّام "توخذيش كلّ الغراض يا أم أحمد… كلّها أسبوع وبنرجع"... في هذه المرّة لن نرجع، لأنّنا لسنا ذاهبين إلى أيّ مكان ببساطة! نحن قاعدون!

التفّ الناس حول بعضهم في الشيخ جرّاح والقدس أمام هجمات المستوطنين والشرطة، الرجال والنساء والأطفال والشيوخ معًا في مشهد واحد معًا، فيهم من الاختلاف الجميل ما يكفي لأن يتحوّل المستوطنون إلى نسخ عن بعضهم البعض، نسخًا عنصريّة مشوّهة ومريضة مليئة بالكراهية والحقد... تستطيعون تذكّر المستوطن يعكوڤ، ذلك الغبيّ السمين بلهجة بروكلين، ومن أقواله المأثورة: "If I don't steal your home, somebody else gonna steal it".  كلّهم يسيرون على هذا النمط.

لقد أخذت الأحداث شكلًا آخر تمامًا أمام هجمات المستوطنين المليئة بشهوات القتل والإجرام، بإشراف مباشر من الشرطة "الإسرائيليّة" وقوّات حرس الحدود، تراهم يبحثون عن المواطنين العرب في الشوارع. جميعنا رأينا الفيديوهات من تل أبيب وحيفا ويافا وعكّا والقدس، قمع الشرطة للناس في كلّ المدن العربيّة في الداخل. المستوطنون تحوّلوا إلى حيوانات مسعورة أُطلقت من قفصها الكبير، وتتلقّى الدعم من الدولة ومؤسساتها المختلفة، في مواجهة الناس العزّل الذين قرروا الدفاع عن أنفسهم ومنازلهم وأراضيهم، ببساطة، كما يفعل أيّ كائن حيّ عند تعرّض حياته للخطر.

نحن لا نتعرّض لما يسمّى "هجوم الجماعات اليمينيّة"، أو "حربًا أهليّة"... نحن ندافع عن أنفسنا أمام أشرس حملات التطهير العرقيّ في العصر الحديث. ومن هُنا، وعلى هذه الأرض، وقف الفلسطينيّون في كامل مدنهم وبلداتهم وقراهم، وقفوا يدافعون ببساطة عن حياتهم أمام هذا المرض الصهيونيّ الشهوانيّ المريض، الذي وصل إلى مراحل متقدّمة، تتشابه كثيرًا مع بدايات النازية في الثلاثينيات ضد اليهود في ألمانيا وأوروبا، عبر وضع علامات على بيوتهم للاعتداء عليها، البحث عنهم في الشوارع لقتلهم والتنكيل بهم… هذا ما يحدث الآن.

المستوطنون وبحماية وإشراف من الشرطة يغنّون "ماڤيت لِعراڤيم - الموت للعرب" في الشوارع، يضعون العلامات على بيوت الفلسطينيين في اللدّ وعكًا، يحطّمون زجاج المحلّات الفلسطينيّة داخل "إسرائيل"، لقد شاهدنا بالأمس بروفات "ليلة البلّور" التي تعرّض لها اليهود على أيدي النازيين أيضًا، حيث هجموا بأسلحتهم على الناس الآمنين في منازلهم، يدهسون الناس في الشوارع! نحن نتعامل مع حالة مستعصية من دولة عنصريّة مريضة تُعيد إنتاج الدولة النازيّة بأثر رجعيّ ضدّنا نحن الآن. ويبقى السؤال… متى ستجرّنا إلى أفران الغاز يا شلومو؟

لقد أعاد كلّ منّا اكتشاف نفسه مما يراه على الأرض. الشوارع مضيئة بالشباب والصبايا في معظم المدن والبلدات والقرى العربيّة، يشتبكون بشكل مباشر مع المستوطنين المعاتيه الذين يدخلون القرى والمدن على شكل جماعات كبيرة بحماية الشرطة، وبدعوات رسميّة من المؤسسة "الإسرائيليّة" والإعلام "الإسرائيليّ" وكلّ ما هو "إسرائيلي". "إسرائيل" كشّرت عن أنيابها النازيّة… ولا يمكن أن تنسى فعلًا ما حدث لها. ونحن أيضًا لا يمكننا أن ننسى ما حدث وما يحدث الآن... وهذا الجيل لم يرفع السقف فحسب، وإنّما حطّمه تحطيمًا، ولم يتبقّ لدينا أيّ سقف إلّا هذه السماء الزرقاء الجميلة. فإلى أين يمكننا أن نصل بعد ذلك؟ من يدري؟

لقد ثار الجميع فجأة على كلّ أشكال الظلم والقهر الاستعماري… نحن المظلومين والمقهورين، ولم يعد لدينا أيّ شيء لنخسره، ظهرنا للحائط وندافع عن حقّنا وكرامتنا وحريّتنا بشرف وعزّ، رؤوسنا ليست محنيّة لأحد، ونعرف أنّ لدينا حقّ في هذا العالم وسوف نأخذه رغمًا عن أنف الجميع. وهذا حقّ لا أحد يمكنه النقاش فيه.

أشكال كثيرة للقهر داخل هذه الدولة الصغيرة التي تشبه الدمّل؛ القهر الذي يلوكنا ويبصقنا في كلّ مرّة والعالم كلّه يتفرّج. آن لنا أن نتحرّر ونقلب الطاولة في وجه الجميع. هناك جدران كثيرة بحاجة للتحطيم، وأوّلها وليس آخرها... جدار الفصل العنصريّ.

"إسرائيل" هي ما تبقّى من الاستعمار، ونحن نفعل مثلما يفعل أيّ شعب طبيعيّ أمام أيّ نظام استعماري مجرم… نناضل ضدّ الاستعمار، ونقاتل ضدّ هذا الورم الخبيث الذي يجب استئصاله من العالم... واسمه "إسرائيل" !  (المصدر: عرب 48)

انشر عبر
المزيد