بقلم: راغدة عسيران
طغت مسألة الانتخابات على مجمل القضية الفلسطينية، في الوقت الذي يمعن فيه الصهاينة في سرقة الأرض واعتقال ومحاكمة الفلسطينيين وتدمير منازلهم، ومحاولة تهجيرهم واستقدام مستوطنين جدد للإحلال مكانهم. ينتظر البعض نتائج الانتخابات للتوجه الى المجتمع الدولي ومطالبته التوسط لدى الاحتلال، وينتظر غيرهم محاكمة العدو لبعض جرائمه من قبل محكمة الجنايات الدولية.
أما الشعب، فهو يضحي يوميا من خلال تصديه للغزاة المجرمين، لمنعهم من السطو على الأرض ويواصل التحدي ومحاولات مقاومة المحتلين بما يمتلكونه من أدوات. لكن العدو يواصل القتل، ويترك الشهداء ينزفون على الأرض، ويعتقل يوميا العشرات من الفلسطينيين، ويزجهم في سجونه، حيث ينتظرهم وباء كورونا، والمحققون والسجانون الساديون، والبرد القارس والحرمان.
الأسرى هم الذين واصلوا مسيرة الشعب الفلسطيني منذ بداية الغزو الصهيوني لفلسطين، والذين يواصلون الى اليوم مقاومة أشرس احتلال في التاريخ الحديث. انطلق الأسرى من حقهم الطبيعي بالمقاومة، وضحوا بحياتهم وحريتهم الشخصية، من أجل حرية وطنهم وشعبهم. يحاول العدو تصويرهم وكأنهم مجرمين، كما يفعل أي محتلّ متغطرس وعنصري، إلا أنهم، بعيون شعبهم وشعوب الأمة والأحرار في العالم، يمثّلون قمة الحرية والتضحية.
من منطلق أن الشرعية تأتي من الفعل المقاوم (د. سامي العريان)، الأسرى هم الأجدر لتمثيل الشعب الفلسطيني، الذي يضحي يوميا من أجل حريته. من ناحية أخرى، الشعب الفلسطيني، بما فيه اللاجئين، هو أيضا أسير الكيان الصهيوني. في الأراضي المحتلة، فهو ملاحق أو يتم اعتقاله إذا اعتبره العدو مناهضا له، بالكلمة أو بالفعل. الاعتقالات اليومية مستمرة، في كافة المناطق المحتلة، مجرد أن يعرف العدو، من خلال أعوانه، في السلطة الفلسطينية أو خارجها، من يشكّل "خطرا" عليه.
ومن بين الأسرى، الأجدر بتمثيل الشعب الفلسطيني هم المحكومون بالمؤبد، لمرة أو لعدة مرات. هم الذين قاموا بعمليات بطولية هزّت الأجهزة الأمنية الصهيونية، منذ عشرات السنين، ونالوا أوسمة الشجاعة والفداء. يمثل هؤلاء الأبطال الوحدة الوطنية، إذ ينتمون الى فصائل مختلفة، أم قاموا بعملياتهم بمفردهم، قبل أن يلتحقوا بالفصائل المقاومة داخل السجن.
تشير الإحصائيات الأخيرة الى أن عدد الأسرى المحكومين بالمؤبدات وصل الى 542 أسيرا، تتراوح أعمارهم من ال80 الى 18 عاما، ما يعني أنهم يمثلون أغلب الفئات العمرية، لا سيّما وأنه تم اعتقال الأسيرين عمر سمير الريماوي وأيهم باسم صباح، الذين اعتقلا في العام 2015، ولم تتجاوز أعمارهما ال15 عاما. وحكم عليهما بالمؤبد. لقد عبّروا، من خلال عمليتهم الشجاعة، عن مشاعر وتطلعات الشعب الفلسطيني والشعوب العربية.
تم اعتقال بعضهم قبل اتفاقيات أوسلو المشؤومة، ولم تتمكّن السلطة المنبثقة عنها من الإفراج عنهم، رغم الاتفاقيات وتدخّل المجتمع الدولي. وتم اعتقال آخرين قبل وخلال وبعد انتفاضة الأقصى، ويشكلون الأكثرية منهم، لأنهم قاوموا بعمليات جريئة في الجزء المحتل عام 1948، مهدّدين أمن المستوطنة الكبرى وأجهزتها الأمنية. ثم استعاد الكيان الأحكام العالية والمؤبدات ضد المقاومين، منذ "انتفاضة السكاكين" في العام 2015.
يمثل الأسرى المحكومون بالمؤبد كافة المناطق الفلسطينية، المحتلة عام 1948 أو 1967، كما يمثلون اللاجئين، حيث تعيش عائلاتهم اليوم في مخيمات اللجوء في فلسطين المحتلة أم خارجها. اعتقل الأسير المقدسي علاء البازيان في العام 1986، وحكم عليه بالمؤبد لمقاومته الاحتلال. تحرّر من السجن في صفقة وفاء الأحرار (2011) بعد 25 عاما، إلا ان العدو أعاد اعتقاله في 18/6/2014 انتقاما من الصفقة التي أذلته والأبطال الذين تحرروا بفضلها. وينتمي الأسير وائل محمود قاسم الى بلدة سلوان في القدس، وتمَّ اعتقاله في العام 2002، وحكم عليه ب35 مؤبد و50 عاما، وهو الحكم الأعلى بين الأسرى المقدسيين.
في الأراضي المحتلة عام 1948، أضافة الى الأسرى القدامى، كريم وماهر يونس من بلدة عارة المعتقلين منذ العام 1983، ووليد دقة من باقة الغربية، المعتقل منذ العام 1986، يواجه الأسرى ابراهيم ومحمد ويحيى إغبارية ومحمد جبارين، أبطال عملية "جلعاد" الجهادية، حكم المؤبدات منذ العام 1992، بعد تنفيذهم العملية الشجاعة في 15/2/1992، التي أدت لمقتل ثلاثة جنود وإصابة آخرين، وتم اغتنام أسلحتهم.
في الضفة الغربية، من شمالها الى جنوبها، بما فيها مخيمات اللجوء، تزاحم المجاهدون والفدائيون لتلقين درسا قاسيا للعدو المحتل ورفع كلفة احتلاله واستيطانه. فمنهم من استشهد ومنهم من وقع في الأسر وتم الحكم عليه بالمؤبدات.
من جنين الصمود والمقاومة، وقراها ومخيمها، يتحدى الأسير حسام عابد من قرية كفردان، المحكوم ب3 مؤبدات و50 عاما، والمعتقل منذ العام 2003، سجانيه وكيانهم، بإدخال هاتف الى السجن للتواصل مع عائلته، وبمواصلة مشواره التعليمي بالحصول على بكالوريوس في علم التاريخ. ومن سيلة الحارثية، الأسير المجاهد سامي جرادات، المعتقل منذ 2003، والمحكوم ب23 مؤبد و50 عاما، لمقاومته للاحتلال ووقوفه وراء العملية الجهادية الكبرى التي نفذتها الشهيدة هنادي جرادات في مدينة حيفا المحتلة. وينتمي الأسير علي صفوري، المعتقل منذ 2002 والمحكوم ب5 مؤبدات و50 عاما، الى بلدة صفورية في الجليل، التي هجرت منها عائلته في العام 1948، وكان أحد قادة معركة مخيم جنين البطولية ضد العدو في نيسان/ابريل 2002، الى جانب الأسير ثابت مرداوي، من بلدة عرابة، المحكوم ب21 مؤبد والمعتقل منذ 2002.
لم يبخل أهل مدينة نابلس وقراها ومخيماتها من تقديم حياتهم وحريتهم من أجل الوطن. تم اعتقال الأسير عاهد أبو غلمة من قرية بيت فوريك في العام 2006 وحكم عليه بالمؤبد وخمس سنوات لمشاركته في قتل المجرم رحبعام زئيفي. ينتمي الأسير ناصر عويص، من مخيم بلاطة، الى قرية الشيخ مونس قضاء يافا. قبل اعتقاله في 2002، خلال انتفاضة الأقصى والحكم عليه ب14 مؤبد و50عاما، كان قد شارك في تأسيس مركز ثقافي في المخيم ولجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين. ينتمي الأسير أحمد مرشود، من مخيم بلاطة، الى مدينة يافا. لقد تم اعتقاله في العام 2006 والحكم عليه بالؤبد، بعد سنوات من مقاومة الاحتلال من خلال زرع العبوات وإلقاء القنابل على دوريات العدو ورفض ما سمي ب"التهدئة" في العام 2006 من أجل إجراء انتخابات المجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية.
شاركت المحافظات الأخرى ببلداتها ومخيماتها، في الجهد المقاوم وقدّمت الشهداء والأسرى المحكومين بالمؤبدات. لقد تم اعتقال الأسير زيد بسيسي من قرية رامين (قضاء طولكرم) في العام 2001، وحكم عليه بالمؤبد و55 عاما، بعد سنوات من النضال والمقاومة، السياسية والعسكرية، ضد العدو. كما اعتقل الأسير باسل مخلوف، من قرية صيدا (طولكرم) في 2002 وحكم عليه بالمؤبد و20 عاما، الذي واصل تحديه للكيان من داخل السجن.
اعتقل الأسير عباس السيد (طولكرم) في العام 2002 وحكم عليه ب36 مؤبد و200 سنة. حاول المحتل إغتياله في السجن في العام 2012، وتم عزله في 2019، بعد أن أجرى مكالمة هاتفية مع اسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس.
يعتبر الأسير عبد الله البرغوثي، من بيت ريما (رام الله) الأسير الأطول حكما، وقد حكم عليه الصهاينة ب67 مؤبدا أضافة الى 5200 سنة. اعتقل في 2003، واستمر التحقيق والتعذيب لمدة خمسة شهور متواصلة. خاض إضرابا عن الطعام للخروج من العزل الإنفرادي وللقاء والديه. في السجن، واصل تحديه للمحتل بتأليف عدة كتب وروايات.
يعتبر الأسير نضال زلوم (رام الله) "فارس السلاح الأبيض ومفجر ثورة السكاكين"، فاعتقل في العام 1989، خلال انتفاضة "الحجارة"، وحكم عليه بالمؤبدين إضافة الى 35 عاما، بسبب تنفيذه عملية جريئة في القدس المحتلة، أدت لإصابة ومقتل عدد من المستوطنين.
اعتقل الأسيرين محمود جميل ابو سرور وناصر ابو سرور، من مخيم عايدة، في العام 1993 وحكم عليهما بالمؤبد للمشاركة في قتل ضابط في الشاباك "الإسرائيلي". لم يف الكيان بوعده بالإفراج عنهما في الدفعة الرابعة من الإفراجات التي كانت منتظرة في مارس/آذار 2014.
هؤلاء الاسرى الأبطال هم عيّنة صغيرة جدا من مجموع الأسرى المحكومين بالمؤبدات، حيث يتطلب الحديث عنهم وعن بطولاتهم وعذاباتهم في السجون الصهيونية وتحديهم للسجانين ومصلحة السجون، الكثير الكثير من المجلدات. تشكل سيرتهم الشخصية والاجتماعية ومسيرتهم الوطنية جزءا مهما من التاريخ المعاصر والمسيرة النضالية للشعب الفلسطيني، وتبرز أهم صفات القيادة الفلسطينية الشرعية، التي تستحق كافة الجهود لتحريرها من سجون العدو.
