يوسف أبو سامر موسى*
"منظمة التحرير الفلسطينية" ليست مجرد فصيل أو مؤسسة سياسية عابرة في التاريخ الفلسطيني، إنها واحدة من أهم المنجزات الوطنية التي استطاع الفلسطينيون من خلالها استعادة شخصيتهم السياسية بعد النكبة، وتثبيت حضورهم باعتبارهم شعبًا له قضية وحقوق وطنية.
ولذلك فإن الحديث عن المنظمة اليوم ليس حديثًا عن الماضي بل عن مستقبل التمثيل الفلسطيني كله. ففي العام 1964 أُعلنت منظمة التحرير الفلسطينية في القدس وحدد النظام الأساسي والميثاق وظيفتها في قيادة الشعب الفلسطيني وخوض معركة التحرير والدفاع عن حقوقه.
ومن هنا نشأت المنظمة كإطار جامع للفلسطينيين في الوطن والشتات وتطورت لاحقًا لتصبح الممثل السياسي للشعب الفلسطيني في المحافل العربية والدولية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم وبكل صراحة هل ما زالت منظمة التحرير بصيغتها الحالية تمثل الشعب الفلسطيني بكل مكوناته؟ أم أن المتغيرات السياسية والتنظيمية التي عصفت بالساحة الفلسطينية أضعفت وظيفتها الأساسية وأفقدتها جزءًا كبيرًا من هالتها ورمزيتها؟ من منظمة جامعة إلى أزمة التمثيل!..
لقد تغيرت الخريطة السياسية الفلسطينية بصورة جذرية خلال العقود الماضية. فظهرت قوى وفصائل وازنة خارج إطار المنظمة وفي مقدمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي إلى جانب قوى وشخصيات وفعاليات فلسطينية أخرى.
وهنا تكمن المفارقة: كيف يمكن لمنظمة أن تبقى ممثلًا شرعيًا ووحيدًا لكل الشعب الفلسطيني بينما جزء أساسي ووازن من هذا الشعب وقواه السياسية والمقاومة ليس ممثلًا بصورة فعلية في مؤسساتها؟
إن شرعية أي مؤسسة وطنية لا تستمد فقط من تاريخها وإنما من قدرتها المستمرة على التعبير عن الإرادة الوطنية الجامعة.
ولهذا فإن المشكلة ليست في اسم منظمة التحرير ولا في تاريخها بل في آليات تمثيلها وبنيتها السياسية ومدى قدرتها على استيعاب التحولات التي طرأت على الشعب الفلسطيني وقواه السياسية.
الميثاق الوطني… اللحظة التي تغيّر فيها المسار.
لا يمكن تجاوز محطة تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني في غزة عام 1998 بحضور الرئيس الأميركي بيل كلينتون فقد صادق المجلس الوطني الفلسطيني على إلغاء مواد من الميثاق تتعارض مع الالتزامات التي نشأت عن اتفاقات أوسلو وشملت المواد التي أُلغيت مواد كانت تنص على القضاء على دولة إسرائيل فيما عُدّلت مواد أخرى ، وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالنصوص القانونية أو السياسية التي أُلغيت بل بالسؤال الأعمق: ماذا بقي من البرنامج التاريخي الذي انطلقت منه منظمة التحرير؟
فالمنظمة التي تأسست على أساس تحرير فلسطين والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني وحقه في العودة وجدت نفسها بعد أوسلو أمام مسار سياسي جديد انتقلت فيه من مشروع التحرير الشامل إلى مشروع إقامة سلطة فلسطينية فوق جزء من الأرض المحتلة عام 1967.
وهذا التحول أوجد إشكالية تاريخية لم تُحسم حتى اليوم: هل أصبحت السلطة هي المركز الفعلي للقرار الفلسطيني بينما تراجعت منظمة التحرير التي يفترض أن تكون الإطار الوطني الأعلى إلى موقع أقل تأثيرًا؟
لقد أدى ذلك إلى تداخل شديد بين المنظمة والسلطة رغم اختلاف طبيعة كل منهما ووظيفتهما وهو ما انعكس على قضية اللاجئين والشتات وعلى التمثيل الفلسطيني خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة.
بين الواقعية السياسية والمآلات
قد يقول البعض إن السياسة تقوم على الواقعية، وأن منظمة التحرير اضطرت إلى تطوير خطابها وبرنامجها استجابة للمتغيرات الدولية والإقليمية...
وهذا صحيح من حيث المبدأ؛ فالحركات الوطنية ليست أجسامًا جامدة والسياسة تحتاج إلى قراءة المتغيرات، لكن الواقعية السياسية لا تعني فقدان البوصلة الوطنية.
فالمرونة في الوسائل لا ينبغي أن تعني إسقاط الثوابت كما أن الدخول في مسار سياسي لا ينبغي أن يؤدي إلى تحويل منظمة التحرير من إطار لتحرير الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقوقه إلى مجرد مظلة سياسية للسلطة الفلسطينية.
والأخطر من ذلك أن استمرار المنظمة بصيغتها الحالية مع غياب قوى فلسطينية رئيسية عنها يجعل الحديث عن «التمثيل الشرعي والوحيد» بحاجة إلى مراجعة جدية ليس بهدف إسقاط المنظمة وإنما بهدف إنقاذها وإعادة الاعتبار إليها.
القاهرة 2005… مفتاح الحل الذي لم يُستكمل
المفارقة أن الفلسطينيين لم يكونوا يفتقدون إلى الحل..., ففي حوار القاهرة عام 2005 اتفقت الفصائل الفلسطينية بوضوح على تفعيل وتطوير منظمة التحرير وفق أسس يتم التراضي عليها بحيث تضم جميع القوى والفصائل الفلسطينية مع الحفاظ على مكانة المنظمة باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، كما تم الاتفاق على تشكيل لجنة تضم قيادة المنظمة والأمناء العامين للفصائل وشخصيات وطنية مستقلة لوضع أسس التطوير!..
ثم جاءت وثيقة الوفاق الوطني عام 2006 لتؤكد مجددًا ضرورة الإسراع في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في القاهرة وتشكيل مجلس وطني جديد يضمن تمثيل القوى والفصائل والأحزاب الوطنية والإسلامية وتجمعات الشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة.
لكن السؤال المؤلم: لماذا بقيت هذه التفاهمات دون إنجاز حقيقي حتى اليوم؟
وهنا لا بد من القول إن المطلوب ليس عقد حوار جديد لمجرد الحوار بل العودة إلى ما تم الاتفاق عليه أصلًا وتنفيذ ما جرى التوافق عليه وطنيًا.
إعادة بناء المنظمة لا إلغاء المنظمة
إن استعادة منظمة التحرير لدورها لا تكون بإلغائها أو تجاوزها بل بإعادة بنائها على قاعدة وطنية جديدة، المطلوب أن يخضع المتنفذون والمسيطرون على مؤسسات المنظمة لعملية مراجعة وطنية شاملة وأن يُفتح الباب أمام حوار فلسطيني جامع تشارك فيه جميع القوى والفصائل وأن يُعاد تفعيل الإطار الذي أفرزه حوار القاهرة والذي ضم الأمناء العامين للفصائل ليكون مدخلًا حقيقيًا للبحث في آليات تطوير المنظمة وإعادة تشكيل مؤسساتها، والهدف النهائي يجب أن يكون مجلسًا وطنيًا فلسطينيًا جديدًا منتخبًا حيثما أمكن وقائمًا على التمثيل النسبي والتوافق حيث يتعذر الانتخاب يضم مختلف القوى والقطاعات والتجمعات الفلسطينية في الوطن والشتات وهذا يتوافق مع ما ورد في التفاهمات الفلسطينية اللاحقة حول تطوير المنظمة.
عندها فقط يمكن أن تستعيد منظمة التحرير صفتها كـ بيت سياسي جامع للشعب الفلسطيني لا باعتبارها ملكًا لفصيل أو تيار وإنما باعتبارها ملكًا لكل الفلسطينيين.
الخلاصة: المنظمة أمام خيارين
منظمة التحرير اليوم أمام مفترق تاريخي:
إما أن تستمر بصيغتها الحالية فتتعمق أزمة التمثيل وتتراجع مكانتها الرمزية والسياسية أو أن تعيد إنتاج نفسها وطنيًا وديمقراطيًا فتستعيد دورها باعتبارها الإطار الجامع لكل الفلسطينيين.
إن المطلوب ليس هدم منظمة التحرير، بل تحرير المنظمة من حالة الجمود التي أصابتها.
وليس المطلوب إسقاط تاريخها بل البناء على تاريخها.
وليس المطلوب إلغاء أي طرف بل إدخال الجميع تحت سقف وطني واحد.
فالمنظمة التي لا تضم الجميع يصعب أن تدّعي تمثيل الجميع والمنظمة التي تستعيد الجميع يمكن أن تستعيد شرعيتها وهالتها ودورها.
ومن هنا فإن اتفاق القاهرة 2005 يجب ألا يبقى وثيقة في أرشيف المصالحات الفلسطينية بل أن يتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء منظمة التحرير عبر تفعيل إطار الأمناء العامين واستكمال الحوار الوطني وإنتاج صيغة توافقية جديدة تعكس واقع الشعب الفلسطيني بكل مكوناته.
إن فلسطين أكبر من الفصائل
ومنظمة التحرير أكبر من أي قيادة أو مرحلة سياسية.
وإذا كانت المنظمة قد وُلدت لتكون عنوانًا لوحدة الشعب الفلسطيني، وأداتاً لتحرير الأرض المغتصبة (عام 48، قبل احتلال الضفة والقطاع في العام 67).. فإن مسؤولية الجميع اليوم أن يعيدوا إليها هذه الوظيفة حتى تصبح مرة أخرى ممثلًا حقيقيًا لكل الفلسطينيين في الوطن والشتات وحاملةً لحقوقهم الوطنية وفي مقدمتها التحرير والعودة.
