وكالة القدس للأنباء - سامر الحاج
الحاجّة نعمة حسن ذيب، أم وليد عطور، أو كما يطلق عليها الكثير من الناس اسم "أم الكُل"، وكيف لا.. وهي لا تمر مناسبة في مخيّم الجليل - بعلبك دون مشاركتها ووضع بصمتها في كل فرح ومناسبة اجتماعيّة أو وطنيّة، وقدّمت فلذّة كبدها شهيداً في سبيل فلسطين، قد لا يختلف عليها إثنان بعشقها لتراب الوطن، ودمعتها السخيّة في كل المناسبات الوطنيّة التي مازالت تتربع بقوة للأكثر مشاركة مع أهالي مخيّمها في كل اعتصام أو مسيرة ووقفةً تضامنيّة تحت اسم فلسطين، أو كما تقول "كل شي معنا فدا فلسطين".
بابتسامتها التي تجمع، كما ليالي "كفرعنان"، بين الجمال والشجن، تقول الحاجّة نعمة أم وليد ل"وكالة القدس للأنباء" "كانت قريتنا جنة على الأرض، ولليوم ما بنسى شجر التين والزيتون، وكل خير ممكن يخطر على بالك كنت تلاقيه بأرضنا "كفرعنان"، هي كانت صغيرة بعدد سكانها بس كبيرة بأهلها وبأراضيها، وقبل الإحتلال عاش فيها حوالي 300 شخص، وكنا نسكن بشي 60 بيت، واعتمادنا على الزراعة وتربية المواشي وقسم قليل من أهل البلد كان يشتغلوا بالبوليس، وأنا عندي أخوالي 3 موظفين بالحكومة البريطانية".
وبصوتٍ لم تذبل فيه ملامح الحسرة تقول "مش من إشي قليل طمعوا فينا" كانت المي تيجي من قرية "فراضية" فوقنا، وتصب بين القريتين بمنطقة اسمها "الجوابي"، هاي "الجوابي" عايشة على الرّي، وكنا دائماً نزرعها بندورة، خيار وفقوس، والبعيدة يزرعوها حبوب، قمح شعير وعدس، وهيك أشياء، والمي الزايدة كنا نحطها بمجمّع مياه اسمه "السيح" وهناك نسبح ونغسل ونسقي الطرش، ونص المي "بالسيح" النا والنص الثاني لأهل "فراضية"."
جرائم الصهاينة ولحظات الهجرة
دمعة حزينة تفرّ من عين الحاجّة أم وليد بينما تستذكر لحظة هرع المنكوبين من القرى الآمنة، وكيف جمعتهم ليالي التشريد والرعب بعد أن انقضت العصابات الصهيونية على قريتها والقرى المجاورة. تقول: "ليالي كنا فيها ما نوكل ولا نشرب ولا نعرف شو صار ولا شو حيصير، ولا كنا نتخيل إنّه اليهود يلّي كانوا عايشين جنبنا بسلام حيعملوا فينا هيك، وما عمرنا آذيناهم ولا شافوا من الفلسطيني إلا كل خير".
لا تلبث ملامح الحزن تطل من عيني الحاجّة نعمة ونبرة صوتها، مستذكرة كيف تبدل نعيم ذلك الجمال برعب الإحتلال وفظائعه. تضيف: "وفي يوم بلّشت أخبار القرى الثانية توصلنا، المجازر والعجايب يلّي عملوها عصابات الصهاينة في الناس، وكيف كانوا في القرى يلّي جنبنا يوقفوا الشباب على الحيط ويطخوهم مرة وحدة بالرصاص، وكيف كانوا النسوان يخبوا الشباب بقلب "الحصيرة" وييجوا اليهود يطلعوهم منها ويقتلوهم قدّام عيون الكل بسكين ماضية، وكيف كانوا اليهود يقصفوا المغارة على رؤوس الشباب، والناس بتفكر هذا الحكي مبالغة، لحتى شفنا كيف استشهدوا 15 شاب من أحلى شباب "صفوري وكفرعنان وفراضية" بقذيفة دبابة على البيادر". يطبق الصمت للحظات، لتشق شهقات بكاء الحاجّة أم وليد ذلك الصمت،
وتتابع: "لما وصلنا "عين الأسد" ومعنا ناس من عيلبون وإحنا نركض من الخوف، وكانت من بين النازحين امرأة تركض معانا، ولمّا قعدنا عند شجر الزيتون بالليل لنرتاح شوي، فتحت ثوبها عشان تطول ابنها يلّي كانت حاملته فيه، لتطعميه، وإلاّ هي جايبة معها "مخدة" بدل الولد من كثر الرعب والخوف".
وتستذكر عندما استيقظ جدها بمنتصف الليل وعاد مع ولدين من أولاده "لكفرعنان" وهو يردد ويقول "بدي أموت هناك ولا أنام عالطرقات"، وعاد معه بعض كبار السِن. لتبيّن أنه: بقينا مع الوالد عدة أيّام عايشين بمغارة تقول عنها أرضها فراشنا، وسقفها سمانا، والجوع ياكل فينا، وما زلت أتذكر أحد كبار السِن حين قال لأحد الضباط في طريقنا "ياعمي ليش مابتقاتلوا الصهاينة..؟" وكان الرد "ماكو أوامر حجي"..! وتضيف: "تابعنا طريقنا لوصلنا على حدود لبنان، نمنا هديك الليلة بالسهل ورحنا على بنت جبيل، وصار في توزيع شوادر على بعض العائلات، وبقينا كم ليلة، ولما سقط الجليل، كل واحد طب بدنيا، ما حدا وعي على الثاني وين طب، ركبنا بالباصات بعد أوامر الدرك واخدونا على عنجر وبعدين على نهر البارد، وبقيت هناك لتزوجت وجيت لهون على بعلبك".
هي "أم الكُل"؛ الكُل الفلسطيني الذي ذاق الأمَرّين منذ النكبة حتى اليوم، فحياة الأجداد بدأت بتهجير قسري، وما لبثت أن تحولّت لصفةٍ تلازمهم في كل مكان وزمان بمُسميّات أخرى كـ "اللاجئين والنازحين"، وعلى الرغم من حياة البؤس والشقاء التي يحياها الفلسطينيون في مخيّمات اللجوء في الدول العربية المجاورة والتي لا تختلف تفاصيل صعوبتها وقسوتها عن حياة أقرانهم بمخيمات الأراضي الفلسطينيّة المحتلة، فإن اللاجئين باتوا أكثر تشبثاً بحق عودتهم إلى ديارهم ولم تُنسهم السبعة عقود ونيّف الماضية أراضيهم السليبة، ولسان حالهم يردد "راجعين"، و"سوف نعود".

