/مقالات/ عرض الخبر

انتخابات في ملعب العدو: حول المجالس المحلية في الداخل (2)

2018/11/27 الساعة 08:24 ص

وكالة القدس للأنباء - متابعة

بقلم / راغدة عسيران

أسفرت انتخابات المجالس المحلية الأخيرة في الداخل المحتل العام 1948 عن صعود وجوه جديدة في العمل السياسي الفلسطيني، لا سيما في المدن "المختلطة"، مثل اللد والرملة ويافا، وعن تراجع القوة التمثيلية للقوى السياسية التقليدية في مدن مهمة، كالناصرة وشفاعمرو. إلا أن ما يميّز انتخابات المجالس المحلية عن انتخابات "الكنيست" هو تأثير الانتماءات العائلية و"القبلية" و"الحمائلية" في تصويت الناخبين، كما لاحظ الكثير من المراقبين والسياسيين.

أظهرت نتائج الانتخابات أهمية تشكيل لوائح عربية مشتركة لخوضها في المدن "المختلطة" كما حصل في اللد ومستوطنة "نتسيريت عيليت" (الناصرة العليا المقامة على أراضي الناصرة، والتي يسكنها أيضاً الفلسطينيون) حيث حصدت القائمة المشتركة في اللد 6 مقاعد في المجلس البلدي، في حين خسرت مدينة حيفا مقعداً في البلدية بسبب تنافس لائحتين عربيتين (الجبهة والتجمع). في يافا، استطاعت قائمة يافا الفوز بمقعد واحد وحصلت القوائم العربية على 4 مقاعد في الرملة. في البلدات العربية التي لم تشهد تنافساً مع المستوطنين اليهود، تنافست الأحزاب العربية فيما بينها ومع القوائم المستقلة الممثلة غالباً لتكتلات عائلية و"حمائلية". ركّز الإعلام العربي على إعادة انتخاب السيد علي سالم في الناصرة، مدعوماً من قبل الحركة الإسلامية، في ظل تراجع "الجبهة" التي خسرت رئاسة  بلدية الناصرة في انتخابات 2013، وفي شفاعمرو، عاد "المستقل" عرسان ياسين إلى رئاسة البلدية مقابل أمين عنبتاوي المدعوم من "التجمع" و"أبناء البلد"، وحققت "الحركة الإسلامية" (الشق الجنوبي) "إنجازات" في النقب (رهط) والمثلث الجنوبي (كفر قاسم). في الطيرة، حصدت "الحركة الإسلامية" مقعدين وظهرت قائمة "الغد" الشبابية، التي كانت قد تشكلت قبل شهور، وحصدت مقعدين.

بغض النظر عن تعامل السلطة المركزية الصهيونية مع المجالس المحلية العربية، الذي تميّز منذ إقامتها بإعاقة تطورها وإلحاقها بالقرارات المركزية وتهميشها وإفقارها، تحظى انتخابات هذه المجالس باهتمام الجمهور العربي الذي يتوقّع أن تحلّ بعض مشاكله الحياتية، وأهمها السكن والعمل، حيث تشير الإحصائيات إلى تدهور في أوضاع الفلسطينيين في الداخل المحتل العام 1948 مع زيادة معدّل الفقر والبطالة في المجتمع الفلسطيني من ناحية، وتفاقم أزمة السكن، حيث تواجه معظم البلدات آلات التدمير الممنهج للبيوت الفلسطينية، بحجة عدم ترخصيها.

من ناحية أخرى، تكمن أهمية المجالس المحلية والبلدية في مشاركة رؤسائها في لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، إلى جانب أعضاء "الكنيست" العرب من الأحزاب "التي تمثل القضايا العربية" وممثلين عن أحزاب سياسية وتنظيمات عربية، وهي الهيئة الجامعة لفلسطينيي الداخل، رغم عدم اعتراف المحتل بتمثيلها، ورغم المشاكل والصعوبات التي تعاني منها.

بعد توضيح سياسة العدو في إعاقة تطوّر البلدات العربية في الداخل، ركّز المحلّلون والسياسيّون على الإعاقات الداخلية التي تسبّبت بتراجع الأحزاب السياسية في الانتخابات من جهة، وعجز السلطات المحلية من القيام بمسؤولياتها من جهة أخرى. في حين يرى البعض أن الأحزاب السياسية منعزلة عن الجمهور ومتقوقعة، "تحوّل غالبيتها إلى دوائر مغلقة على ذاتها، وحلقات نخبوية باتت تشكل أطواقاً عازلة بين القيادة وبين الناس" (سليمان أبو ارشيد)، لا زالت قيادة هذه الأحزاب تطمئن جمهورها بأنها لم تتراجع، بل حصلت "إخفاقات" عوّضتها بـ"إنجازات" في أماكن أخرى؛ وأن عليها أن تستعد لتكون "بديلاً للقوائم العائلية"، وأن "توفّر أدوات وآليات وطريقة وأسلوب خوض الانتخابات".

شكّلت مسألة العائلية و"الحمائلية" في الانتخابات المحلية موضوع اهتمام المحلّلين والسياسيين؛ إذ اعتبر بعضهم أنها علّة تعيق تطوّر المجتمع الفلسطيني في الداخل وتحديثه؛ في حين يعتقد البعض الآخر أن "للانتماءات الحمولية دوراً سوسيولوجياً بقائياً يجب فهمه"، حيث أن "الحمولة هي التي توفر المسكن وليس وزارة الإسكان... وتحمي مصالح أبنائها أكثر من الشرطة. إذن في غياب دولة ترعى شؤون المواطنين العرب، فلا بدّ للانتماء الحمائلي أن يكون مركزياً" (مروان دويري، فصل المقال 2013). إضافة إلى أن التعاضد العائلي و"الحمائلي" يشكّل أحد أبرز نقاط التمايز عن مجتمع المستوطنين القادمين من بلدان مختلفة، ليس لهم ارتباط بالأرض ولا بتاريخ المنطقة. غير أن هذه العائلية و"الحمائلية" أسفرت عن وصول شخصيات مرتطبة بالسلطة الصهيونية إلى المجالس البلدية، كما هو الحال اليوم مع عرسان ياسين في شفاعمرو، وبرأي الآخرين، إلى تدهور الوضع في البلدات العربية، بسبب سوء الإدارة وتفضيل الأقارب في الوظائف وعدم جباية الضرائب منهم، الخ... فلذلك، يعتبر بعضهم أن "الحمائلية" قد شُوّهت اليوم ولم تعد تقوم بدورها الإيجابي "أي التكافل الداخلي"، بل "قوّضت القيم التي تقوم عليها"، وأنه يجب "تطوير دور الحمولة نحو الدائرة القومية الأوسع".

تعود أهمية الجدال حول دور العائلية والعشائرية في انتخابات المجالس المحلية في الداخل الى أنه يطرح مسألة الحداثة المشوّهة التي تعيشها المجتعات العربية كافة؛ لكن يبدو الموضوع أكثر حدّة في فلسطين المحتلة بسبب سياسة الاحتلال الذي ينمّي أحياناً هذه الظاهرة لضرب الحركات السياسية، ويدعم التوجّه المحلي والخدماتي على حساب الوطني والتنموي. ومن ناحية أخرى، لا زالت الأحزاب ومثقفوها تتخبط، في مواجهة ظاهرة العشائرية، بين مفهومي الحداثة والأسرلة، إذ تتبنى أحياناً مفاهيم المحتل والغرب عموماً حول الدولة والديمقراطية والمجتمع المحلي والشفافية والإدارة الراشدة والمهنية، وكأن المجتمع الفلسطيني لا يخوض أيضاً صراعاً مفاهيمياً وحضارياً مع المحتل.

التركيز من قبل البعض على أزمة الأحزاب العربية ودور "الحمائلية" لا يلغي التصورات الأخرى لتفسير ما وصلت إليه أوضاع المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل العام 1948. لقد ذكّر البعض بدور بلدية الناصرة يوم انتخاب الراحل توفيق زياد، الشاعر الشيوعي الوطني، في العام 1975، وكيف واجه رؤساء البلديات الأخرى عشية يوم الأرض في 30 آذار / مارس 1976، مدعوماً من الجماهير العربية، وكيف جعل من مدينة الناصرة ملتقى الوطنيين بتنظيم مخيمات العمل الوطني، ما يعني أنه، رغم سيطرة الحكم المركزي الصهيوني عليها، تستطيع المجالس المحلية والبلدية القيام بدور وطني وتوحيد المجتمع الفلسطيني لمواجهة الاحتلال، على الأقل من خلال لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، ولكن ذلك يتطلب إعادة النظر في أمور كثيرة، أهمها عدم "فصل الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية عن الحقوق السياسية ... لأن الطرح الوطني إذا لم ير الإنسان الفرد فهو شعاراتي وناقص ولا يعوّل عليه. والطرح المدني إذا لم يقترن بالطرح السياسي الأشمل فهو مبتور ولا يخدم إلا سياسة المستعمِر. ليس هذا من فانتازيا أفكار، فكلنا يدرك في قرارة نفسه أن المستعمِر يريد لنا أن نظل نرى أنفسنا أفراداً، وعائلات، وجماعات تتناحر على فضلاته، وأن نرى أنفسنا "أقلية" في مستعمرته منقطعين عن باقي أبناء شعبنا الفلسطيني في غزة والضفة والشتات" (رلى نصر مزاوي).

المجالس المحلية في الوطن المحتل العام 1948 ليست وحدها التي تعاني من تخبط المفاهيم وتشرذم القوى، حيث دفعت سيطرة الاقتصاد النيوليبرالي إلى خصخصة الخدمات الأساسية في مجتمعاتنا وتشكّلت طبقة منتفعين على حساب الشرائح الشعبية وشاعت ثقافة الاستهلاك، ولكنها تبقى صورة مصغّرة ومكثّفة لما يعاني منه الوطن العربي، بسبب مواجهة محتل استيطاني يسعى إلى تشريد الشعب الفلسطيني وتصفية قضيته.

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/133565

الأخبار الرئيسية

الأكثر قراءة

اقرأ أيضا