/تقارير وتحقيقات/ عرض الخبر

عن «حرية الكلام» الممنوحة لهاكابي: ترامب يمسك عصا «حب إسرائيل» من الوسط

2026/09/12 الساعة 10:49 ص

يافا المحتلة - وكالات

صار كلّ شيء يتعلّق بإسرائيل يثير انقساماً داخل الإدارة الأميركية، سرعان ما يخرج إلى العلن؛ وهذا ما يؤشّر إلى تراجع نفوذ الدولة العبرية في الولايات المتحدة، تزامناً مع عزلتها المتزايدة في العالم الغربي. آخر تجلّيات ذلك الانقسام، تمظهر في تصريحات سفير الولايات المتحدة في إسرائيل، مايك هاكابي، التي هاجم فيها بريطانيا على خلفية فرضها عقوبات على واردات المستوطنات الإسرائيلية، علماً أن هذه الإجراءات لا تبدو ذات أثر كبير، وإنما أرادت الحكومة البريطانية الجديدة عبرها تخفيف ضغط الرأي العام الذي هزّته جرائم المستوطنين في حق الفلسطينيين.

وكان السفير الأميركي الذي لا يمكنه أصلاً تبرير تدخّله في شأن لا يخصّه شكلاً، قبل الحديث عن أيّ مضمون، هدّد لندن بأنها قد تواجه ردّاً انتقامياً أميركياً على إجراءاتها ضدّ المستوطنات الإسرائيلية. لا بل ذهب إلى تفصيل ما يمكن أن تفعله الحكومات الفدرالية نفسها، وأعطى كمثل ولاية فلوريدا، التي قال إن قوانينها قد تفضي إلى منع الشركات البريطانية من العمل فيها. الأكثر إثارة، أن تصريحات هاكابي تناقضت مع موقف رئيسه، دونالد ترامب، الذي أفاد تقرير لموقع «أكسيوس» بأنه أُبلغ بالعقوبات البريطانية على المستوطنات الإسرائيلية، مسبقاً، من قِبل رئيس الوزراء البريطاني، آندي بيرنهام، ولم يُثِر أيّ اعتراضات عليها، كما لم يطلب من حليفه الامتناع عن فرضها، في موقف قرأه الموقع نفسه باعتباره «نأياً بالنفس» من جانب ترمب عن سفيره في إسرائيل.

على أيّ حال، فإن هاكابي يعدّ شخصية جدلية في الولايات المتحدة، إلى درجة أن الكثيرين من رموز اليمين المسيحي يقولون علناً إن ولاءه الأول هو لإسرائيل وليس لبلاده، الأمر الذي ينسف أساس دوره كسفير، لا يُفترض، بالتعريف، أن يكون له عمل إلّا تمثيل بلاده بأمانة في الدولة التي انتُدب إليها. ولم تكن هذه هي المرّة الأولى التي يدلي فيها هاكابي بتصريحات تخصّ تل أبيب، وتخالف السياسة الرسمية لبلاده؛ إذ سبق أن أثار موجة انتقادات، وخاصة في الدول العربية والإسلامية، حين أيّد، قبل أشهر، طرح «إسرائيل الكبرى» التي تمتدّ من الفرات إلى النيل.

على أن هاكابي ليس وحيداً في الإدارة في اعتماد نهج يقدّم مصالح إسرائيل، بل أقصى اليمين فيها، على المصالح الأميركية، وإن كان الأكثر إثارة لنفور الأميركيين بينهم. إذ سبق أن سجّل رئيسه المباشر، وزير الخارجية ماركو روبيو، ردّاً غامضاً على العقوبات البريطانية، قائلاً إنه يعارض كلّ الإجراءات التي تؤدّي إلى زعزعة الاستقرار في «يهودا والسامرة»، متبنّياً بذلك الاسم التوراتي للضفة الغربية، من دون أن يُعرف ما إذا كان يقصد بكلامه اعتداءات المستوطنين، أم الإجراءات العقابية البريطانية. لكن روبيو كان واحداً من الذين دفعوا إلى اعتماد هذه التسمية للضفة رسمياً في أدبيات الإدارة الأميركية، حتى قبل تسلّمها مهامها. كما أن الرجل معروف بأنه قائد الجناح الأكثر تأييداً لإسرائيل داخل الإدارة، وأنه يحمل طموحات رئاسية، يُروَّج لها منذ الآن في الصحافة الإسرائيلية، على حساب نائب الرئيس، جي دي فانس، المكروه في إسرائيل إلى حدّ اتّهامه بمعاداة السامية -علماً أن الأخير كان عارض شنّ حرب على إيران، وأيّد التوصّل إلى تسوية معها-.

تسريب موقف ترامب، عبر «أكسيوس»، يحمل معنىً واضحاً، وهو أن الرئيس أصبح، قبل شهرَين على الانتخابات النصفية لـ«الكونغرس»، أكثر ميلاً إلى توجّه المعارضين لإسرائيل داخل الإدارة، من دون أن يخسر، في الوقت نفسه، دعم المؤيّدين لها؛ وإلّا فإن خروج هاكابي عن الموقف المعلَن للإدارة والرئيس، كان وحده كافياً لجعل شخص مزاجي من مثل ترامب، يطرده من منصبه في اليوم نفسه. والواقع أن ساكن البيت الأبيض، الذي يبدو أسير مأزق دفَعه إليه دفعاً رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، الحليف الأول لأشخاص من مثل هاكابي وروبيو، يعرف أن الإفراط في الميل إلى إسرائيل بشكل علني الآن، من شأنه أن يُعدم أيّ فرصة له للخروج من هذا المأزق، أو على الأقلّ وقف الانزلاق إليه أكثر فأكثر. ولذلك، هو أبعد إسرائيل عن الحرب مع إيران، واختار طريقاً آخر، متمثّلاً بمزيج من العقوبات المشدّدة، والحصار البحري، والضربات المتقطّعة، وفتح جبهات في وجه طهران من مثل جبهة اليمن الداخلية، والضغط في العراق ولبنان، بما يتماشى مع سياسات حلفائه في الدول العربية والإسلامية، أكثر ممّا يتماشى مع سياسات نتنياهو وحكومته.

بسبب أشخاص كهاكابي، يتزايد داخل اليمين الأميركي التذمّر من التأثير الإسرائيلي في القرارات الأميركية، ولا سيما الحرب على إيران التي يَعتبر جزء من اليمين أنها شُنّت لأجل نتنياهو، وليست للولايات المتحدة أيّ مصلحة فيها. ولكن السفير يستند إلى قوة التيّار الصهيوني في اليمين المسيحي، بما يجعله لا يخشى أيّ إجراء ضدّه من قِبل الرئيس؛ وهو كان بالفعل من أوائل المعيّنين الذين أعلنهم ترامب بعد فوزه في الانتخابات، ضمن فريق كان معظمه من مؤيّدي إسرائيل. وإذ بدا واضحاً، وقتذاك، أن هذا التعيين بمثابة هدية لنتنياهو، فقد تحوّل هاكابي، بموجبه، إلى نوع من وديعة إسرائيلية لدى إدارة ترامب، لا يبدو أن الأخير يستطيع ردّها.

المصدر: الأخبار اللبنانية

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/229200