وكالة القدس للأنباء – حوار: مريم علي
أصدر الأكاديمي الفلسطيني، وأستاذ علم الاجتماع في جامعة بيرزيت، د. أباهر السقا، حديثاً كتابه "غزة: التاريخ الاجتماعي تحت الاستعمار البريطاني 1917– 1948"، عن "مؤسسة الدراسات الفلسطينية"، قدم في 325 صفحة، التاريخ الاجتماعي لمدينة غزة إبان الاستعمار البريطاني حتى نكبة 1948، قراءة جديدة من منظور سوسيولوجى لم يتم التطرق إليه في دراسة تاريخ مدينة غزة الاجتماعي. فعرض التركيبة السوسيواقتصادية والسياسية للمدينة وسكانها وعائلاتها، وشرح آليات صناعة الوجاهة الاجتماعية، عبر تتبع سوسيوتاريخي.
وفي هذا السياق، تحدث السقا لـ"وكالة القدس للأنباء" عن كتابه الجديد مؤكداً أنه أضاف فيه ما لم يتم تناوله من قبل، بخاصة لتاريخ مدينة غزة الاجتماعي، "حيث أن غالبية الدراسات التي قدمت قد تناولت التاريخ السياسي للمدينة، وقد درست مدينة غزة من خلال عرض بعض عناصر من الحياة الاجتماعية والاقتصادية من باب الوصف في السياق الفلسطيني، ولم تخصص لها دراسات خاصة عن التاريخ الاجتماعي لمدينة غزة. وحتى الدراسات القليلة التي قدمت يغلب عليها الطابع الوصفي، من خلال مذكرات بعض الأعيان لمدينة غزة، التي كتبت عنهم أو من خلالهم، دون تقديم قراءة تحليلية متكاملة ترتكز على دراسة سوسيوتاريخية.. كما أن المقاربة جديدة، وتنظر إلى موضوعات مختلفة، من زاوية نظر مختلفة، فتهتم بالتفاصيل الخاصة بمدينة غزة، وتنهل من مصادر أهلية، ومن أرشيفات لم يتم التطرق إليها في دراسة مدينة غزة من قبل، مثل الوثائق الفرنسية".
وأوضح أن "الرسالة التي تضمنها الكتاب هي إظهار تاريخ مدينة غزة المجهول للأجيال الجديدة، وحتى لبعض العارفين عن مدينة غزة خلال الفترة المدروسة، حيث يظهر الكتاب بأن مدينة غزة كانت من أهم المدن الفلسطينية في فترة الاستعمار البريطاني، ويظهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية فيها في تلك الفترة، ويدحض المقولات المختلفة عن مدينة صغيرة ونائية".
وبيّن السقا لوكالتنا أن هناك "ثمة فروقات هائلة على كل الصعد، فالمدينة ولواؤها فقدت ما يقارب 70% من أراضيها، والتي ضمتها الإدارة الاستعمارية الصهيونية، وحرمت القطاع من المياه، وكذلك فقدت المدينة الكثير من البنى الاقتصادية المرتبطة بتلك الأراضي، كما أن المدينة تبدلت بشكل لم تعرفه أي مدينة فلسطينية أخرى، حيث وصل إليها خلال ساعات عام 1948 أكثر من ثلاثة اضعاف سكانها، وعرفت منذ 1948 وحتى هذه اللحظة تغيرات هائلة طوبوغرافية وعمرانية وحضرية".
وأشار إلى أنه "في الفترة التي درسها الكتاب، أي من العشرينات وحتى النكبة، كانت مدينة غزة مدينة التركيبة السوسياقتصادية متعددة طائفياً، وقطن في المدينة جوال أجنبية عديدة، ونشأت فيها تشكيلات سوسيواقتصادية اعتمدت على تجارة ناشئة، وعلاقات تجارية واسعة بين غزة والمدن الفلسطينية الأخرى، وبين مناطق أخرى بالعالم، وعلى نظام تراتب اجتماعي اقتصادي مرتبط بإرث الدولة العثمانية، سمح بمجموعة من العائلات أن تعيد إنتاج هذه النظم لصالحها على مدى قرون".
وأضاف أن "مدينة غزة أدارت مجموعة من العائلات، عبر الفترات التاريخية المختلفة، ارتكزت على مجموعة من العناصرلإدارته اجتماعياً، وأهمها فكرة الوجاهة القائمة على تراتبات النسب والمصاهرة مع عائلات أخرى، ما يوسع شبكاتها داخل المدينة وخارجها مع وجهاء آخرين، وصناعة المكانة الاجتماعية وامتلاك القدرة على الإشراف أو التحكم بالمدينة، وإقامة شبكة علاقات واسعة من التأثير، وامتلاك موارد اقتصادية ومشروعيات سياسية، تسمح لهذه العائلات انتاج الوجهاء وإعادة انتاجهم عبر تناقل بين الأجيال".
وفي نهاية حديثه، تطرق السقا لأهم أبحاثه حول المجتمع الفلسطيني بشكل عام، قائلاً: "انصبت بعض أبحاثي على الذاكرة الجمعية الفلسطينية، وعلى الحركات الاجتماعية، وعلى حراكات الشباب، وعلى الوطنية الفلسطينية"، مضيفاً: "ولدي أبحاث أخرى حول العلوم الاجتماعية، وحول الفن وأشكال التعبير عنها"، موضحاً أنه " في ما يخص الكتاب فإني أطمح بأن استكمل بحثي عن مدينة غزة في الفترة القادمة، وإنجاز كتاب جديد عن التاريخ الاجتماعي لمدينة غزة من 1948 وحتى 1967 ، حيث أن هذه الفترة شهدت تغيرات هائلة، وتم الاهتمام بالجانب السياسي للمدينة على حساب الجانب الاجتماعي".
يشار إلى أنّ د. أباهر السقا هو أستاذ مشارك في دائرة العلوم الاجتماعية والسلوكية في جامعة بيرزيت، ويحمل شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة نانت- فرنسا. عمل أستاذاً زائراً في العديد من الجامعات الفرنسية، وباحثاً مشاركاً
في المعهد الفرنسي لدراسات الشرق الأدنى، وله العديد من الدراسات والمقالات العلمية.
