/مقالات/ عرض الخبر

اتفاقيات أوسلو والتطبيع

2017/09/20 الساعة 10:16 ص
أوسلو
أوسلو

بقلم راغدة عسيران

إحدى إفرازات اتفاقيات أوسلو الكارثية الموقّعة في أيلول 1993، تجلّت بمسار تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، من قبل أنظمة ونخب عربية، انتظر بعضها بفارغ الصبر التحلّل من واجبهم الوطني اتجاه فلسطين، وتوهّم غيرهم، كما توهّمت نخبة فلسطينية عجزت عن قراءة التاريخ والسياسة، أن هذه الاتفاقيات ستؤسس لسلام حلمت به طويلاً.  فرحّبت بـ"سلام الشجعان" الذي تنازل عن 78% من أرض فلسطين لصالح العدو، مقابل "العيش المشترك" الهش وإبقاء مصير اللاجئين الفلسطينيين ومدينة القدس المحتلة رهن التوازنات الدولية.  

تكمن خطورة المسيرة التطبيعية التي دشّنتها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، بكونها أولاً قد صدرت عن الجهة الممثلة للشعب الفلسطيني، على الأقل كما تعبّر عن نفسها، فاتهمت الأصوات الرافضة لتلك الاتفاقيات والتطبيع بالتشدّد والمزايدة على الشعب الفلسطيني وتاريخه المناضل، لتهميشها وإسكاتها. وثانياً، بكونها برّرت وشرّعت امكانية التعامل مع الصهاينة المحتلين، ومع كافة فئات المستوطنين، عندما شرّعت وجود الكيان الصهوني على أرض فلسطين وفتحت مجال التعامل مع "الإسرائيلي".  وقد ساهم المجتمع الدولي، بوضع امكانياته ومؤسساته كافة، لتنفيذ هذه المهمة، ومارس ضغوطاً في شتى المجالات، لكسر حاجز المقاطعة العربية والتأقلم مع الوجود الصهيوني في قلب المحيط العربي والإسلامي.

كان الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي قد نبّه إلى خطورة هذه الاتفاقيات وما سبقها (اتفاقية كامب ديفيد)، ودورها في الاختراق الصهيوني للمجتمعات العربية من خلال التطبيع، وذلك لأن تطبيع الوجود الصهيوني في العقل العربي يعني أكثر من مجرّد علاقات شخصية بين أفراد أو فئات مجتمعية.  فيقول "إن التطبيع يعني للصهيونية الرضوخ العربي والإسلامي لحقيقة وجود الكيان كأمر واقع لا مجال لإزالته، وبالتالي إنهاء الصراع معه.  وهذا يوفر للكيان الظروف المناسبة للتفرغ والتوسع وتحسين الاقتصاد والهيمنة السياسية، والتخلص من أعباء حرب الاستنزاف المرهقة التي يكلفها استمرار الصراع. وما يستحيل تنفيذه بأداة الحرب، سيكون ممكناً بأداة (السلم) وهو أمر لا يتعدى موازين الصراع والهزيمة أو النصر، أي أن المعركة مستمرة ولكن ضمن قيود ثقيلة تكبّل الخصم، وهو الطرف العربي الإسلامي. هذا هو جوهر عملية التطبيع" (12/1994).

فالمسألة هي تطبيع وجود الكيان الصهيوني في المنطقة، وليس فقط إقامة علاقات فردية أو مؤسساتية مع مستوطنيه، إن كانوا من اليسار أم من اليمين، من المثقفين والصحافيين والرياضيين، أم من التجار وأرباب العمل.  المسألة هي التسليم بوجود الكيان والتعامل معه وكأنه دولة من بين دول المنطقة، وليس فقط مقاطعة مباريات رياضية وندوات يشارك فيها "الإسرائيليون"، مع أهمية تلك الخطوات النضالية، ولكن الخطورة هي، كما يقول الشهيد فتحي الشقاقي، "تقبّل الكيان الصهيوني كجسم طبيعي ومتجانس في المنطقة"، يشارك في تحديد هوية المنطقة وفي الصراعات الداخلية لدولها، يدعم تيارات سياسية وخطوات تتخذها جهات معينة، كما يدعم اليوم الاستفتاء في إقليم كردستان في العراق مثلاً، وذلك لأن "رغبات الصهاينة ومصالحهم تتناقض جذرياً وبشكل بنيوي مع رغبات ومصالح المحيط العربي والإسلامي".  فالتسليم بوجود الكيان الصهيوني، والتعامل معه ومع مستوطنيه، على أساس أنه كيان شرعي، وفقاً لقرار جائر صدر عن الأمم المتحدة في تشرين الثاني 1947، وبعد إقرار قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بشرعية اغتصاب فلسطين، في اتفاقيات أوسلو عام 1993، فتح باب التطبيع المؤسساتي والفردي مع مكوّنات الكيان الصهيوني.

تتوهّم بعض النخب العربية التي انضمت الى محور التطبيع بأنها تشارك في حوار الثقافات وتطوّر العلوم والمعرفة والتواصل "الإنساني"، وأن تطبيعها لا يخضع للقضايا السياسية، ويكفي قراءة ما قاله المخرج السينمائي اللبناني زياد دويري وما كتبه المدافعون عن جريمته، للتأكد من ذلك، غير إن هذه النخب المطبّعة لا تسلك إلا طريق فتحه الغرب الامبريالي لدعم الظالم، والذي يطالبها بأن تكون صوته وصداه في العالم العربي الإسلامي، مقابل مكاسب مالية ومادية، وفتح القنوات الإعلامية والمهرجانات الدولية أمامها.  

يعتبر هؤلاء المطبّعون مع مستوطني الكيان أنهم يحاربون "القمع" المؤسساتي العربي، وهم لا يحاربون إلا وجدان شعوبهم، ويدعون أنهم يتجاوزون الخطوط البالية التي وضعتها أنظمة "شمولية" أو غيرها، وهم لا يتجاوزون إلا الخطوط التي وضعتها شعوبهم عبر تاريخها الحافل بالتضحيات، وأنهم يتحرّرون من "القفص" المؤدلج الذي يرى في الكيان عدواً لا يمكن التعامل معه، إلا أنهم سقطوا في قفص المال المنهوب من شعوب العالم والشهرة العالمية السهلة التي تحتقر مشاعر شعوبها.  لم يتحد المطبّعون مع المستوطنين النخب "الحاكمة" و"المتحجرة" في دولها، كما يصورون أنفسهم، بل يتحدون ضمائر شعوبهم الرافضة دائماً للظلم والعدوان.

لا يتطلب التطبيع العلني شجاعة فائقة، إذ يسير مع التيار الجارف، الذي يتنكر لحق الشعب الفلسطيني بوطنه.  يكفي تقديم طلب الانتساب الى نادي المطبّعين لتفتح الأبواب أمام الأفراد والمؤسسات والدول، ولا أحد سيتجرأ على مقاضاتهم، حتى في الدول التي تقاطع رسمياً الكيان الصهيوني، كما حصل مع المخرج زياد دويري.

ما يقدم عليه المطبعون، من الملوك إلى المثقفين والرياضيين والساسة، هو مساهمة في شلّ قدرات المجتمعات العربية من تطوير ذاتها واستعدادها لمواجهة العدوان الصهيوني، وهم، تالياً، يشاركون في سحق المقاومة وفك الحصار عن الكيان الصهيوني ومستوطنيه، ومنع الشعب الفلسطيني من استعادة حقوقه، في الوقت الذي يواصل كيان العدو حروبه وإجرامه وابتلاعه للأرض العربية وتهويده للمقدسات وتشويهه للتاريخ، وتهديده لوجود عربي وإسلامي متطور ومستقل، ويشاركون بشكل فعال وواع في زرع الموت في بلادنا، وفي تزييف الحقائق والوعي التاريخي لشعوب المنطقة، التي ترفض العدوان وتتمسك بحضارتها وقيمها.

ذلك يتطلب ليس إدانة التطبيع ومحاربته فحسب، بل السعي لعدم التسليم بوجود الكيان، وإلغاء كافة الاتفاقيات الموقعة معه، ودعم حركات المقاومة في التصدي له، واستنهاض الأمة لتحرير فلسطين.

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/115854

الأخبار الرئيسية

الأكثر قراءة

اقرأ أيضا