وكالة القدس للأنباء - خاص
الشاعر مروان محمد الخطيب، مسكون بالشعر كما هو مسكون بفلسطين أرضاً وشعباً وجهاداً، استكمل مسيرته المؤلفة من خمسة دواوين الشعرية، بإصدار ديوان جديد مؤخراً بعنوان: "شوق من لازورد"، حيث مجاله الرحب إبداعياً.
حول هذا الديوان، وهموم القصيدة، والواقع الثقافي، كان لـ "وكالة القدس للأنباء" هذ الحوار معه:
عن "شوق من لازورد" كانت البداية، فقال الخطيب: "لا شكَّ في أنَّ الكلامَ على الشَّوق، هو بالضَّرورةِ كلامٌ على نَفْسٍ بشريَّةٍ مُتْرَعةٍ بمدىً من الرِّغابِ المُنسَجِمةِ مع وعيها وفِكرِها، وفي الوقتِ ذاتِهِ مع الأتواقِ الجِبِلِّيةِ في مُستَوَييها الغريزيِّ والعُضويِّ. ولعلَّ الدُّخولَ في فلسفةِ الدِّيوانِ وتَسميتِهِ ب(شوقٌ من لازورد)، يَقُودُنا إلى قراءةٍ عميقةٍ وذاتِ فحوىً بليغة. فالشَّوقُ بِمُنتهاهُ المعنويِّ رَغبةٌ عارمةٌ للُّقيا والعِناقِ والاندغامِ، ولرُبَّما للذوبان؛ واللَّازوردُ حجرٌ كريمٌ راتعٌ ومُكْتَشَفٌ في الأرضِ منذُ ستة آلآفِ عام وأكثر. وهو حجرٌ يحملُ أبعاداً دِلاليَّة بِزُرقتِهِ السَّماويَّةِ الفاقعة، وهو رمزٌ للأمانِ والوفاءِ والصَّداقةِ المحفوفةِ بالطُّمأنينةِ، وبالتالي نرى فيه بُعداً قداسيَّاً يمزجُ ظلالَ الماوراءِ بتُرابِ الأرضِ وطينِها والنَّوابض التي تدبُّ عليها. وهُنا بيتُ القصيدِ باختيارِ هذا الاسمِ لهذا السِّفرِ-الدِّيوان. كأنِّي أقولُ بالتَّلميحِ والمجازِ ما تصريحُهُ: الحياةُ الآمنةُ على الأرضِ، والبعيدةُ عن نزاعاتِ الغرائزِ والمذاهبِ والطَّوائف، الحياةُ المُخضلَّةُ بالعدلِ والسَّلامِ والأمان، لا يُمكنُ أن نَبلُغَها بِمَعْزَلٍ عن حُكمِ السَّماءِ وعدلِ اللهِ سيِّداً فوقَ الأرضِ وفي علاقاتِ البشرِ وقوانينِهم وتشريعاتِهم الضَّابطةِ لمَعاشِهم ومصالحهم".
هموم القصيدة الفلسطينية
وحول وجود فلسطين في شعره، رأى أن " فلسطينُ الوطنُ، والأرضُ المُقدَّسةُ، والقضيَّةُ العادلةُ، والمدى المكانيُّ السَّاحرُ والخلوبُ، وفلسطينُ الشَّعبُ والجهادُ والكفاحُ والتَّاريخُ، حاضرةٌ في ديواني الجديد(شوقٌ من لازورد) حُضورها في سائرِ أعمالي الشِّعريَّةِ والأدبيَّة. وكيفَ لا يكونُ ذلك، وهي المَدى الخصيبُ الذي يتماهى مع أتواقِ النَّفسِ وأشواقها، ويرحلُ بأحلامِنا إلى مراقي ومعارجِ الانتصارِ المُشتهى والآتي. فلسطينُ الأرضُ والبحرُ والجِبالُ الشَّوامخُ والسَّماءُ العليَّةُ، في انسراحٍ فكريٍّ ونَبْضيٍّ أثيرٍ معَ العقلِ والقلب؛ فكيفَ لا تكونُ بعدَ كُلِّ هذا مجالاً رحيباً للإلهامِ الإبداعيِّ والشِّعري؟!".
وكان حديث تناول الهمَ الذي حملته القصيدة وقدرتها في نقل صورة واقعية لمعاناة الفلسطيني، فأوضح الخطيب، أن " النَّاظرُ في المَشهدِ الشِّعريِّ الفلسطينيِّ، منذُ عبد الكريم الكرمي وعبد الرَّحيم محمود وراشد حسين وسميح القاسم ومحمود درويش، وصولاً إلى سبع عبد الرازق وشحادة الخطيب وجهاد الحنفي وياسر علي وشريف القاضي وهشام يعقوب وباسل عبد العال، لا بُدَّ أن يُسَجِّلَ استطاعةَ القصيدة احتواء الصُّورةِ النِّضالية والكفاحيَّة الفلسطينيَّة في مقاومتها المشروعين الاستعماري والصِّهيوني، اللَّذين استهدفا فلسطين غزواً واحتلالاً. وكما أنَّ الشِّعرَ العربيَّ الجاهليَّ كانَ سِجلَّاً لأيامِ العربِ وحُروبِهم، فإنَّ القصيدةَ الفلسطينيَّة، استطاعت بشكلٍ أو بآخر أن تكونَ مصدراً رؤيويَّاً يحملُ في مُتُونِهِ مدىً عاطفياً ومعنويَّاً لأصداء الكفاح والجهاد الفلسطيني، منذ وعد بلفور المشؤوم وحتى حصارِ بيروت، ومجزرة صبرا وشاتيلا، ووصولاً لانتفاضاتِ أهلنا في فلسطين ومُكابداتِهم في مخيماتِ اللُّجوء، وأسفارهِ الأليمة. وبهذا أزعمُ بأنَّ شعرَنا قد واكبَ الأحداثَ السياسيَّة منذ مطلع القرنِ الماضي وحتى الأمسِ القريب، وهذا ما يجبُ أن يرتقيَ إليه دوماً شعراؤنا المعاصرون، كي نكونَ في المسارِ ذاتِه حفاظاً على حقنا، ودفاعاً عن حقوقناً، وكفاحاً أدبيَّاً وثقافيَّاً عميقاً من أجلِ انتصارنا العتيدِ والمُنتَظر!".
وعن أقرب الشعراء الفلسطينيين إليه شعرياً، أشار إلى أنه "في تَجرُبتي الشِّعريَّة، لم أتعاطَ مع هذه المسألة بعُبُورٍ ثقافيٍّ انتقائيٍّ هَشٍّ، وإنَّما تَجَوَّلَ قلبي ورُوعي في أفياءِ وظلالِ معظمِ شُعراءِ فلسطين، كما الحالُ مع شُعراءِ العربيَّةِ من امرىء القيس والمُتنبِّي، حتى عبد الوهاب البيَّاتي وعُمر أبو ريشة. وفي المُستوى الفلسطينيِّ، توقفتُ مليَّاً مع الشَّاعر الشَّهيد عبد الرَّحيم محمود، وأُسكرتُ برؤاهُ وحَدْسِهِ المُستنيرِ في أكثر من نصٍّ من قصائدهِ السَّواحرِ والخَوالب. كما أسعدتني طَرباً ومعاني، قصائدُ أبي سلمى ومُعين بسيسو وسميح القاسم. ولا أخفي تعلُّقي الكبير بالشَّاعر الرَّاحل محمود درويش، الذي امتلكَ قُدرةً كبيرةً في النَّحتِ الشِّعريِّ العميقِ فكرةً وإيقاعاً وجمالاً".
إهمال الحالات الإبداعية
وعن مدى تجاوب الناس ومتابعتهم للشعر، قال الخطيب: " المُدقِّقُ في معالمِ الحالةِ الثقافيَّةِ الرَّاهنةِ في بلادنا عُمُوماً، يجدُ أنَّ ثَمَّةَ تَرَهُّلاً فيها، حدَّ صَيرورتِهِ أذىً بليغاً وعميقاً. ولعلَّ الباحثَ في تداعياتِ هذا المَشهد، يلاحظُ عَبْرَ قراءتِهِ الوافيةِ لهذه الحالةِ أنَّ انحدارَ الحالةِ السِّياسيَّةِ القائمة فينا، قد تبعَهُ انحدارٌ في مُجملِ جوانبِ حياتنا بما فيها الحالة الثقافية. ثُمَّ إنَّ الارتقاءَ في الفكرِ يجبُ أن يكونَ مرعيَّاً ومُتابَعَاً بعطاءٍ نورانيًّ من رُعاةِ الشُّعوبِ والمُجتمعات، وهذا ما لا نجده ونعثر عليه شفيفاً ونظيفاً إلَّا في ما ندر. وعليه أستطيعُ أن أقولَ بالفمِ الملآن: إنَّ تَدنِّي الحالة السياسيَّة في بلادنا، وارتهانها لمشاريعِ الآخر المُستَبدِّ والمُستعمرِ الإمبريالي، جعلَ القائمينَ على سياسةِ بلادنا في تناغمٍ بعيد مع تلك المشاريع، ما يعني أنْ تُهْمَلَ رعاية الحالات الإبداعيَّة المُشْرِقة عندنا، واستبعادها من دائرة الضَّوء، والاستبقاء على الحالاتِ الاستعراضيَّةِ عَبْرَ إعلامِ الفضائيَّاتِ وسواه، بما يُكَرِّسُ الأمرَ الواقعَ الذي تريدُهُ الأنظمةُ وتسعى إليه. وهُنا لي تَساؤلٌ في هذا السِّياق، وهو برسمِ الإجابةِ عليه من قبلِ العُقلاءِ وأولي الجَنانِ والنُّهى : متى كان الإبداعُ في مُجملِ عناوينِهِ وألوانِهِ يسمو عَبْرَ استفتاءِ النَّاسِ عليه في مزاداتِ الاستعراض، وعدم جعل المقياس الفاصل في ذلك قيمته الفنِّية والفكريَّة؟!. وعليه أقولُ مُجَدَّداً بأنَّ تراجع تجاوبِ النَّاسِ مع الشِّعرِ في مُتابعاتٍ مُستمرَّةٍ وعميقةٍ، وعَبْرِ شراء واقتناءِ دواويين الشُّعراء، يرجعُ إلى ما ذكرتُ سابقاً، وقد تُضافُ أسبابٌ أخرى في ذلكَ، منها عدمُ تكريسِ البرامج التربويَّة والمَدرسيَّةِ على أولويَّةِ اللُّغةِ والأدبِ في السياساتِ الحكوميَّةِ التَّربويَّةِ، وعدم دعم طباعة الكتاب الإبداعيِّ في المؤسساتِ الرَّسميَّةِ ورعايةِ تسويقه إعلاميَّاً وعَمليَّاً، بما يخدمُ فكرته وما يدعو إليه في مُتُونِهِ الأدبيَّة، شِعراً كانت أم نثراً.
دور الملتقى الأدبي
وشرح الخطيب دور المُلتقى الأدبيُّ الثقافيُّ الفلسطينيُّ الذي يرأسه في مخيم نهر البارد، على النحو التالي:" المُلتقى الأدبيُّ الثقافيُّ الفلسطينيُّ، تَجَمُّعٌ أدبيٌّ ثقافيٌّ مُستقل، تأسَّسَ في العام2000م، وله أهدافٌ عديدةٌ من أجلِ الارتقاءِ في الأدائين الأدبيِّ والثقافيِّ، وفي تبنتِّي ورعايةِ المواهبِ الأدبيَّةِ لدى أبنائنا الطَّلبة. ويضمُّ بينَ أعضائه عدداً من الشُّعراءِ والأدباءِ والمُثقفين. وقد شَرَّفني زملائي في اختياري رئيساً له. ولِمُلتقانا شِعارٌ يسعى لتحقيقِهِ في إبداعاتِ أعضائه، وفي مُجملِ أنشطتِهِ ومساعيه الثقافيَّة، وهو: (كلمتنا التزام)، بما يعني التزامنا الإبداعي بما يخدمُ توليد الأدبِ الرَّفيع المُدافع عن فلسطيننا وحقنا فيها من شِمالِها حتَّى نقبِها، ومن نهرها إلى بحرِها".
وقد أنجزَ المُلتقى عَبْرَ مسيرتِه التي لها من العُمُرِ للآن سبعة عشر عاماً، العشراتِ من النشاطاتِ المُتميِّزة، من أمسيَّاتٍ شعريَّةٍ وأدبيَّةٍ وثقافية. كما أقام قبل نحوٍ من عامين مهرجاناً تكريميَّاً مُمَيَّزاً للإبداع الأدبيِّ الفلسطيني. ولعلَّ من أكثر نشاطاتِهِ أهميَّةً، رعايتَهَ بالشراكةِ مع إدارة التَّعليم للأنروا في شِمالِ لبنان للمواهب الأدبيَّةِ الصَّاعدة، عَبْرَ برنامج مُدوَّن للتدريب المُمنهَجِ في فنيَّاتِ الثقافةِ والأدبِ والشِّعر، وما إلى ذلك، وهو مشروعٌ مفتوحٌ زمانيَّاً بما يُحقِّقُ ويُنجزُ الغايةَ من ورائه".
وأضاف: "أصدرَ المُلتقى كتاباً في شهرِ أيلول من عام 2003م تحت عنوان: (ياسينُ الأيوبيُّ الشَّاعر، النَّاقد، والإنسان)، وقد تضمَّنَ هذا الإصدارُ ما ألقيَ في حفلِ تكريمٍ العلَّامة الدكتور ياسين الأيوبي، والذي رعاهُ ودعا إليه المُلتقى يومذاك، وأقامَهَ في مخيم النَّهر البارد. كما وصدر عن المُلتقى في هذا العام(2017)، ديواني الشِّعريُّ الخامس(شَوقٌ من لازورد )".
