لا نضيف شيئا جديدا عندما نقول أن الساحة الفلسطينية تعاني من أزمة بنيوية برنامجية، خانقة طاحنة في كل شيء.. في القيادة وفي مصير ومستقبل هدفها الاستراتيجي وفي المؤسسات التي تهالكت فهلكت طيلة السنوات الماضية، ومع ذلك تصر قيادة الامر الواقع… قيادة التيه والضياع الفلسطيني على التمسك بما عفا عليه الزمن وانتهى بانتهاء صلاحيته الافتراضية وبما تراكم عليه من عفن طغى واستشرى بعد ان قطعت عنه تلك القيادة كل مقومات الحياة والتجدد الطبيعي، وها هي اليوم وللحفاظ على نفسها وعلى نظامها السياسي. ولاستمرار بقائها تستعين بالتنفس الاصطناعي، الذي لا يمكن أن يحيي ميتا!!.
لهذه الغاية وجه رئيس "المجلس الوطني الفلسطيني" سليم الزعنون دعوات خطية لأعضاء اللجنة التحضيرية المكلفة بالإعداد لعقد المجلس الوطني، للاجتماع يومي 10و11/1/2017 في العاصمة اللبنانية بيروت. وقال الزعنون، إن الدعوة لعقد هذا الاجتماع جاءت بعد سلسلة مشاورات جرت بين الفصائل الفلسطينية بما فيها حركتي حماس والجهاد الإسلامي، استنادا إلى قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الصادر بتاريخ 27/12/2016، الذي دعا اللجنة التحضيرية للاجتماع.
لا شك ان هناك وجهات نظر متباينة وخلافات حادة تجاه انعقاد الدورة الاعتيادية للمجلس بتشكيلته الحالية وفي هذه الفترة بالذات بعد انعقاد مؤتمر حركة فتح (السابع) او بالأحرى ما سمي بهمروجة محمود عباس الذي عزز وكرس مكانته وسياساته المعهودة التي لم يباركها ويصفق لها احد كما صفق لها جون كيري ونتنياهو واركان قيادته.
هناك خشية حقيقية ومشروعة من أن ينجح عباس ومن معه باعادة التمثيلية نفسها، ببطلها وبنفس السيناريو والأدوار مع تغيير في "الكومبارس"، وربما في المسرح والديكور، وتستمد هذه المخاوف ثقلها ومشروعيتها من أن أي تغيير على عضوية وتركيبة "المجلس الوطني" لم يحصل حتى يراهن أحد على التغيير، فهم انفسهم من أتى بهذه القيادة ووضع تلك السياسة، وهم انفسهم ما زالوا ممسكين باوهامهم، وما بدلوا تبديلا!!
ويرى أصحاب هذا الرأي بأن انعقاد "المجلس" في هذا الظرف والزمن السياسي سيكرس كذلك الانقسام الفلسطيني اذا لم تحضر حركتي حماس والجهاد الاسلامي ، وبالتالي فإن انصار وجهة النظر هذه يرفضون الدعوة لعقد أي دورة للمجلس الوطني بتركيبته الحالية بانتظار تشكيل جديد للمجلس من خلال انتخابات حيثما أمكن كما يقولون!! والحيثما أمكن هذه غالبا ما تفضي لانتخابات يتيمة في ظل الاحتلال، لنعود لسياسة التوافق والتقاسم للممثلين الاعضاء في بقية ساحات التواجدالفلسطيني، اي العودة للمحاصصة الفصائلية وما يرضون عنه، حيث ترفض أو تعرقل دول اللجوء اجراء مثل تلك الانتخابات التي لم تحصل يوما عبر التاريخ الممتد منذ العام 1948 م .
ومع تفهمي لتخوفات ودوافع اصحاب وجهة النظر هذه الا انني اتحفظ عليها وارى باننا قد نكون امام فرصة ولو محدودة جدا لفعل ما قد يحرك المياه الفلسطينية الراكدة الآسنة. وذلك لسببين:
الاول: لا يوجد ما يشير لامكانية اجراء انتخابات لعضوية المجلس الوطني ولا لغيرها من انتخابات على المستوى الوطني في المدى المنظور، والى ان يتم ذلك لايعلم الا المجهول ما الذي سيحل بمياهنا وبساحتنا.
الثاني: اننا يجب ومن واجبنا ان نحاول ونستغل كل فرصة لتحريك الوضع الفلسطيني الساكن. حتى لو لم يؤد هذا التحريك للتغيير الذي ينشده كلا منا. واكرر حتى لا اتهم بما لا افكر به ان الرهان على التغيير محدود ومتواضع جدا. ولكن يجب ان نعمل وان نحاول.
للتغيير منابر ومستويات مختلفة، ومع انني ممن يشككون بان يكون المجلس الوطني منبرا وساحة للتغيير لالف سبب وسبب الا انني اقر ولا انكر ان يكون احد الملاعب والساحات التي يجب على دعاة التغيير ان يلعبوا بها من ضمن الساحات والمنابر الاخرى.
تتباين وتتعدد المواقف والاجتهادات بين دعاة التغيير. فهناك من لا يتطلع لأكثر من تعديل وتبديل جزئي في عضوية اللجنة التنفيذية بتوافق أو بانتخابات لا فرق عنده، ولا يتطلع لمراجعة سياسية تتحاوز اضافة بعض الرتوش على سياسة المفاوضات واعادة تشكيل طاقمها الحالي، وكأن المشكلة والازمة الفلسطينية تكمن في هذه الجزئيات، وهناك اقلية انا واحد منهم يدعون ويتمنون تغييرا شاملا، يبدا بتغيير الهدف النضالي المتمثل بحل الدولتين، وصولا لتغيير النظام السياسي المتعفن المسؤول الرئيس عن كافة المآسي والكوارث التي حلت بالشعب الفلسطيني منذ تشكيله في ستينيات القرن الماضي. ولكن هذه الأقلية تدرك بواقعية أن هذه المرحلة وهذا المجلس ليس الأنسب للتغيير المنشود.
على دعاة التغيير ايا كانوا وايا كانت طموحاتهم وتوجهاتهم ان يتلاقوا للبحث عن القواسم المشتركة بينهم، ومن هذا المنبر أتمنى وادعوا كل دعاة التغيير أصحاب الرأي الحر المستقل. ايا كانوا منتمين لفصائل وتنظيمات أم غير منتمين أن يلتقوا للبحث في هذا الشأن الذي يهمهم جميعا ويهم كل فلسطيني، وهذا حقهم وواجبهم الطبيعي والمشروع. للتلاقي والتوافق على كل ما من شأنه ان يضع او يساهم في وضع حد لهذه المهزلة، التي يراد لنا العيش فيها ومعها الى الابد. وببساطة اعتقد انه يمكن التوافق على ابرز النقاط التالية وعلى الكثير غيرها اذا ما تحلى المجتمعون بسعة الافق وبالثقة بما يؤمنون:
* المشاركة في دورة عادية للمجلس تتوفر فيها الشروط القانونية الديمقراطية، وتناقش كامل جدول الاعمال حسب التظام المعمول به من سياسة الى تنظيم الى مالية. وعدم المشاركة اذا ما تم التلاعب والمساس بما سبق ذكره.
* التوافق على ان تشمل وتتضمن المناقشة والمراجعة السياسية كل ما من شانه وضع حد لسياسة التنازلات التي لا حد ولا حدود لها لوضع اسس جديدة لسياسة جديدة. حتما هي موضع خلاف واجتهاد كما ذكرنا. ولكن حدها الادنى الطلاق المطلق مع كل اسس ومفاهيم السياسة الحالية للاقتراب من سياسة تحررية تضمن السير قدما وحقا لتحقيق الحرية والاستقلال عن المحتل وليس العمالة والتيعية له. وقطعا هناك العديد من الضوابط والاسس التي يمكن تحديدها وبلورتها في الاجتماعات التي ستنظم قريبا كما افادتنا بعض المصادر بان هناك اتصالات ومشاورات بين اصحاب الراىء الحر للبدء بها علي مستويات مختلفة.
* التوافق والتماسك على ان تكون اللجنة التنفيذية حصيلة لانتخابات سرية ديمقراطية وليس لتوافق فصائلي يتوج بالتصفيق كما جرت العادة. وهذه احد مفاسد النظام الفلسطيني. والانتخابات لا تهضم حق الفصائل بان تتحالف بقائمة واحدة مع السماح للاخرين بالتنافس عبر انتخابات ديمقراطية.
* التقدم بمقترحات وتعديلات على النظام السياسي لتطويره ما أمكن، في محاولة للتخلص من المواد المتخلفة التي تعرقل التطور والتجديد وتجعل منه نظاما للولاءات وليس للكفاءات.. حاضنا للفساد والفاسدين كما هو الحال اليوم. وحتى لا يبقى نظاما للمحاصصة الفصائلية المسؤول عن هذه الفجوة وابتعاد الشعب عن الاطر والمؤسسات الوطنية.
* من نافل القول انه يجب ان تتوفر كامل الشروط القانونية والديمقراطية لانعقاد دورة اعتيادية في الزمان والمكان المناسبين لاعضاء المجلس. ويبدو جليا انه ليس منطقيا وليس مقبولا ان يعقد المجلس في ظل الاحتلال كمؤتمر فتح الاخير، وهناك العديد من البدائل والخيارات.
صابر عارف / كاتب فلسطيني
