سمير أحمد
في مثل هذا اليوم، التاسع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر العام 1947، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار الدولي الرقم 181، أوصت بموجبه بتقسيم فلسطين إلى دولتين واحدة عربية بنسبة 42.88 بالمائة من مساحة فلسطين، وأخرى يهودية بنسبة 55.47 بالمائة، وأن تبقى مدينتي القدس وبيت لحم والمناطق المجاورة تحت الوصاية الدولية، بنسبة 0.56 بالمائة من المساحة.
وقد انحفر هذا التاريخ في ذاكرة ووجدان الشعب الفلسطيني والأمة العربية والعالم الإسلامي باعتباره حدثاً أليماً وجريمة كبرى لم يعرف التاريخ مثيلاً لها، ناصرت فيه الأمم المتحدة المستعمرين الغربيين والغزاة الصهاينة، بدل أن تقف إلى جانب الفلسطينيين أصحاب الحق، أبناء الأرض الأصليين.
وبهذا القرار الأممي المجحف والظالم للشعب الفلسطيني، والخارج عن كل مبادئ العدالة ومفاهيم حقوق الانسان التي تتغنى بها الامم المتحدة ومؤسساتها الدولية الإنسانية والحقوقية على اختلاف مسمياتها، منحت الأمم المتحدة "المشروعية الدولية" للكذبة التي حملت اسم (وعد بلفور) التي ابتدعها وزير الخارجية البريطانية آرثر بلفور، والتي صدرت في الثاني من تشرين الثاني / نوفمبر العام 1917، وأعطى بموجبها المستعمر البريطاني الذي لا يملك، للغازي الصهيوني، الذي لا يستحق أرض فلسطين ليقيم عليها دولته اليهودية!..
فبعد ثلاثة عقود على ابتداع الكذبة البريطانية، صدر قرار التقسيم السيء الذكر، وبه صار وعد الوزير البريطاني بإقامة كيان يهودي فوق أرض فلسطين قرارا دوليا، وصارت الكذبة حقيقة بمفهوم الأمم المتحدة... وقد أعلن الشعب الفلسطيني والأمة العربية والعالم الإسلامي وكل أصدقاء الشعب الفلسطيني في العالم استنكارهم لهذا القرار جملة وتفصيلا... ورفضهم لإقامة كيان صهيوني على أي جزء من أرض فلسطين.
لم يقف الظلم الأممي للشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه عند حد تحويل الكذبة البريطانية إلى قرار دولي، إذ تفتقت الذهنية التي تدير الأمم المتحدة عن فكرة شيطانية أخرى، هدفت إلى محو ذكرى النكبة من الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني من خلال تحويل التاسع والعشرين من تشرين الثاني من ذكرى التقسيم إلى يوم للتضامن مع الشعب الفلسطيني.
فبعد ثلاثة عقود بالتمام والكمال أصدرت الأمم المتحدة في الثاني من كانون الأول/ ديسمبر العام 1977 قراراً دولياً حمل الرقم 50/3/ج ، اعتبروا فيه تاريخ صدور قرار التقسيم 29/11/1947 يوماً للتضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني، تحييه الأمم المتحدة، ابتداء من العام 1978 حسب القرار.
هكذا، وبقدرة القابضين على ناصية القرار في الأمم المتحدة، تحول التاسع والعشرين من تشرين الثاني من مناسبة أليمة حفرت عميقاً في ذاكرة ووجدان الأجيال الفلسطينية المتعاقبة، إلى احتفال فولكلوري... وصارت ذكرى التقسيم الأليمة مهرجاناً خطابياً يتبارى فيه صانعو القرار 181 وغيره من الآفات والمصائب الدولية، بكيل عبارات الدعم الفارغة من أي مضمون ومعنى، ومن أي فعل ميداني أو ترجمة عملية تلامس مصلحة الشعب الفلسطيني الذي يكتوي بنيران المستعمرين الفاشيين العنصريين الصهاينة دون أن تستطيع المؤسسات الدولية وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي من اتخاذ ولو قرارٍ يتيم بإدانة حروبهم العدوانية ومجازرهم المتنقلة وجرائمهم الموصوفة المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني والمقدسات المسيحية والإسلامية... ولا إدانة السرطان الإستيطاني ولا عمليات الإعدام الميدانية وبدم بارد أمام مرأى ومسمع "العالم الحر" التي تطال الفتيات والفتية وأطفال فلسطين...
إن الشعب الفلسطيني مدعو اليوم لوعي حقيقة الفخ الذي نصبته الأمم المتحدة لبعض المسؤولين النافذين في منظمة التحرير الفلسطينية و"السلطة" وبعض الدول العربية، والتمسك بإعلان التاسع والعشرين من تشرين الثاني من كل عام ذكرى تقسيم فلسطين... مناسبة لتجديد العهد والوعد على مواصلة الجهاد لإسقاط قرار التقسيم بميدان المواجهة، كما فعل أبطال انتفاضة القدس، الذين حطموا القيود وأزالوا الحدود ووحدوا الوطن والشعب، من القدس إلى الضفة الغربية إلى غزة إلى الداخل الفلسطيني...
فاليوم هو ذكرى تقسيم فلسطين... وللتضامن كل الأيام.
