خالد أبو حيط – كاتب فلسطيني
رغم التأييد الشعبي والفصائلي الذي حظيت به مبادرة النقاط العشر التي أطلقها أمين عام حركة الجهاد الإسلامي، الدكتور رمضان عبد الله شلح، ورغم صمت أركان السلطة الفلسطينية بخصوص المبادرة، إلا أنها قوبلت ببعض الانتقادات من قبل بعض الكتاب والسياسيين الفلسطينيين.
ركزت الانتقادات على وصف المبادرة باللاواقعية، وذلك انطلاقاً من كونها تطالب بإلغاء اتفاقية أوسلو، وسحب اعتراف منظمة التحرير بالكيان الصهيوني، وحلّ السلطة الفلسطينية. ويرى أصحاب تلك الانتقادات أن لا واقعية هذه المطالب تتأتى من اعتبارات عدّة، منها أنها تتنكر لأكثر من عقدين من الزمن من النضال الفلسطيني على طاولات المفاوضات وعلى المنابر الدولية وفي كواليس هيئة الأمم المتحدة، وأن حل السلطة من شأنه أن يعطي العدو الصهيوني مبرراً للتهرب من التزاماته، بل وتصعيد عدوانه، وتالياً، إضاعة فرصة إقامة الدولة الفلسطينية، وكذلك المساس بمكاسب عشرات الآلاف من الموظفين المرتبطين بالسلطة، والمجازفة بقطع المساعدات التي تتلقاها السلطة من الدول الغربية والعربية. ويذهب بعض المنتقدين إلى السؤال عن الخطوة التالية بعد "حل السلطة"، بطريقة غير مباشرة للالتفاف على المبادرة.
على أن هذه الانتقادات تتنكر لثلاث حقائق رئيسية؛ أولها يتعلق بشرعية "النضال التفاوضي"، وثانيها بنتائجه، وثالثها بمستقبل "الإنجازات"!
لم يتحقق "إنجاز" قيام السلطة الفلسطينية إلا بالتضحية بمسائل تمسّ جوهر قضية فلسطين، حيث أنها سلمت للعدو بوجوده، بل وبحقه في الوجود، على 78% من أرض فلسطين دون حصولها على إقرار منه بحقها في الجزء المتبقي؛ وقسمت الشعب الفلسطيني وجعلت مستقبل اللاجئين في مهب الريح، وتنكرت لحق الشعب في المقاومة المسلحة. هذا الثمن الباهظ الذي دفعته السلطة ثمناً لوجودها تم تقديمه من دون مشورة الشعب الفلسطيني، ولا رضاه. والغريب حقاً هو وصف كل ذلك بالنضال.
أما نتائج هذا "النضال" فباتت أشهر من البرهنة عليها: من تسارع وتيرة الاستيطان في الضفة المحتلة والقدس الشريف، إلى تنامي أعداد المغتصبين ونشوء ميليشيات مسلحة تهدد السكان في داخل منازلهم، إلى جدار الفصل العنصري الذي حاصر كل قرية وعزلها عن محيطها، بل وفصل السكان عن أراضيهم ودخل غرف نومهم، إلى تهديد المسجد الأقصى وسائر المقدسات الإسلامية والمسيحية، إلى السيطرة على الموارد الطبيعية، إلى حملات الاعتقال اليومية وتزايد عدد الأسرى وعودة الاعتقال الإداري. بل والأنكى من كل ذلك، تحوّل السلطة ذاتها إلى أداة من أدوات الانقسام على المستوى الوطني، والتزامها بدور الذراع الأمني للعدو، عبر ملاحقة المقاومين، وإعادة اعتقال المفرج عنهم من السجون الصهيونية، وتصفية المعارضين، وتحولها أيضاً إلى ساحة للصراعات الداخلية على المناصب والمكاسب والمغانم، وأداة من أدوات القمع، ووسيلة من وسائل تصفية الحسابات الداخلية، وتقريب الموالين وإبعاد المعارضين.
فهل تساوي هذه الأثمان رواتب بضعة آلاف من الموظفين لدى السلطة، على حساب الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني؟ وهي رواتب تأتي أصلاً من التمويل الخارجي لا من الناتج المحلي، وهي مرتهنة للعدو، ولقاء "التنسيق الأمني".
وإذا تجاوزنا كل ما سبق، فإن السؤال الأساسي هو: ما هو مستقبل السلطة ذاتها، في ظل تمسكها بالنهج الذي قامت وبنيت عليه؟ هل لا يزال أحد يعتقد فعلاً أن السلطة تسير نحو "الدولة"؟! هل ثمة من لا يزال يؤمن بأن العدو الصهيوني أو ما يسمى بالمجتمع الدولي، أو الرباعية الدولية، أو حتى الرباعية العربية، معنية بأن تحقق للسلطة مشروعها في إقامة دولة فلسطينية على أراضي 1967؟!
على من يعترض على مبادرة الجهاد الإسلامي، ويرى أنها تهدد "الإنجازات" التفاوضية أن يجيب على سؤال واحد بسيط: هل حلم الدولة الفلسطينية، الذي حددته السلطة هدفاً لها، هو اليوم – بعد عقدين من نهج المفاوضات – يقترب أم يتلاشى؟! أي جواب تقدمه القراءة "الواقعية السياسية" على هكذا سؤال؟
العديد من الدراسات التي ينشرها العدو الصهيوني، والعديد من تصريحات كبار قادة الكيان، من أمثال نتنياهو وليبرمان وبينت وغيرهم، تقول بوضوح إن العدو الصهيوني ينتظر اللحظة المواتية للانقضاض على ما تبقى من وهم السلطة. وبدأ العدو بالفعل يعدّ العدّة، ويتخذ الاجراءات لإعادة "الإدارة المدنية" إلى مناطق الضفة المحتلة، انتظاراً لاقتناص اللحظة القادمة لا محالة!
هذا كله إذا أغفلنا بالطبع فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأمريكية، والدفعة التي أعطاها فوزه لليمين الصهيوني الذي رأى في ذلك وضع حد نهائي لحلم الدولة الفلسطينية.
أمام كل هذا، فإنه من المستغرب حقاً أن يرى البعض أن مبادرة الأمين العام لحركة الجهاد تهدد السلطة، وكأن للسلطة مستقبلاً أصلاً، وكأنها ليست في طريقها إلى التلاشي والاندثار. حقاً إنه "وهم السلطة"! وهم أصاب أصحابه بالعجز عن تصوّر بديل يليق بالنضالات الحقيقية للشعب الفلسطيني وحقوقه.
أما السؤال حول ما بعد "حل السلطة" فإنه ينطلق من تصوّر ما جرى منذ التوقيع على أوسلو وحتى اليوم وكأنه الممكن الوحيد، وهو سؤال يأخذ في الاعتبار إرادة الأطراف الدولية والإقليمية، ويظهر الشعب الفلسطيني ومقاومته وكأنها عاجزة عن الفعل، وأنه ينبغي عليها أن تبقى رهينة ردة الفعل لما يقرره الآخرون. باختصار، إنه سؤال ينم عن الافتقار لمشروع سياسي بديل!
