راغدة عسيران
اندلعت انتفاضة القدس قبل عدة أشهر دفاعا عن القدس والمقدسات والأرض والشعب، دفاعا عن فلسطين. انتفاضة القدس ما هي إلا حلقة من حلقات المقاومة الفلسطينية، إحدى أشكال مقاومة الغزو الصهيوني المستمر منذ وعد بلفور. كسابقاتها من الإنتفاضات، لم تكن انتفاضة القدس مدبّرة، بل جاءت كردّ فعل على الزحف المستمر وابتلاع الأرض الفلسطينية، وعمليات القتل الوحشية للأطفال والعائلات، والإنتهاكات اليومية لحق الشعب الفلسطيني بأرضه ووطنه، وتدنيس المقدسات وترويج لأساطير تنفي وجوده، وعلى محاولات إذلاله من خلال الحواجز وهدم البيوت والإعتقال الإداري والممارسات الوحشية في السجون الصهيونية. جاء رد الفدائيين الجدد، في ظلّ تقطيع أوصال الضفة الغربية بالمستوطنات والطرق الإستعمارية وفي ظلّ وجود سلطة حكم ذاتي تمارس ما يسمى بالتنسيق الأمني مع العدو، على شكل عمليات طعن ودهس وإطلاق نار ورشق الحجارة، ينفذها أفراد أو مجموعات صغيرة يصعب العثور عليها من قبل الإحتلال وأدواته، أو على شكل مواجهات جماعية لمنع توغّل الصهاينة للمخيمات والأحياء والقرى.
لم يلتفت فدائيو الإنتفاضة الى الأصوات الداعية الى إنتظار حلّ شامل أو جزئي تحت رعاية القوى والدول التي مكّنت العدو باستكمال مشروعه الإستيطاني وذلك لأنهم وعوا، منذ طفولتهم، أن هذه القوى هي التي تغطي زحف المستوطنين وتؤمّن البشر والمال لترسيخ عملية الاستيطان على كل الأرض الفلسطينية، المحتلة عام 1948 أو 1967، وهي التي ترسل بلا حساب أسلحة فتاكة تقتل الآلاف من البشر وتدمّر المباني والمدارس والمستشفيات في قطاع غزة، كما دمرّت مخيم جنين وقرى ومدن في لبنان. كما لم ينتظر فدائيو الإنتفاضة أصوات أخرى تدعو الشعب الفلسطيني الى اللجوء الى الهيئات الدولية لمحاسبة العدو، إذ يعرفون تماما أنها منحت الشرعية للغزو الإستيطاني الصهيوني على حساب أهل فلسطين، ولن تسمح للاجئين بالعودة الى ديارهم إلا تحت السقف الذي تحدّده مع العدو، وقد تراجع هذا السقف الى حدّ لم تعد تطرح عودة اللاجئين الى ديارهم الأصلية (فلسطين المحتلة عام 1948). ويعرف فدائيو الإنتفاضة أن كافة إدانات المجرمين الصهاينة، الصادرة عن هذه الهيئات المتمرسة على كتابة التقارير، لم ولن تؤدي الى استعادة شبر واحد من الأرض المسلوبة ولم ولن تسفر عن تحرير مقاوم واحد من سجون العدو. كما تعلّموا بالممارسة اليومية أن الهيئات الدولية ترضخ للعدو وتتعاون معه باسم "الشرعية الدولية". تكمن واقعية الإنتفاضة في وضوح رؤيتها بأن الدول المتسلطة على العالم والمؤسسات الدولية التابعة لها تقف الى جانب الإحتلال الصهيوني، لا فائدة إذا من الإستنجاد بها والتوكل عليها والإستماع لها.
واقعية انتفاضة القدس تكمن بأنها تدرك أنها تقف وحيدة في وجه العدو، بسبب أوهام المستسلمين للغطرسة الصهيونية والأميركية، والمتعاونين مع العدو من الأنظمة العربية، والفئات المطبعّة معه، وكل الذين لم يستوعبوا بعد، من العرب والمسلمين، منذ وعد بلفور حتى الآن، أن السبيل الوحيد لوقف الدمار والقتل والزحف الاستيطاني هو الوقوف الى جانب المقاومة والإنتفاضة ودعمها بالمال والسلاح، إن لم يكن بالبشر. تتوهم الفئات المستسلمة للهيمنة الأميركية بأنها ستحصل على بعض الفتات والإمتيازات، ولكن أثبتت التجارب، منذ وعد بلفور، أن الإستسلام للقوى المسيطرة لا يجلب إلا إستسلاما أوسع وكوارث أفظع، وإن الإستماع لها والرضوخ لإملاءاتها ولتهديداتها لا يؤديان إلا الى مزيد من القتل والتشريد، وأوضح الأمثلة هو الضغط العربي لإيقاف ثورة 36-39 الذي أفسح المجال للبريطانيين والصهاينة لمواصلة مشروع استعمار فلسطين وتشريد شعبها.
تستمد الإنتفاضة رؤيتها الواقعية من التاريخ والمخزون الشعبي المشبع بآلاف الروايات والقصص حول التصدي لغزوات الصهاينة وحروبهم، وجبن هولاء أثناء المعارك، وتعلّمت أنه لولا تلاعب الفئات المستسلمة بمشاعرهم للإيقاع بهم، وركض الفئات المتعاونة والمطبّعة مع العدو للحصول على إمتيازات وهمية تفرط عند أي مواجهة شاملة مع العدو، لحقّق المقاومون انتصارات فعلية على الأرض ومنعوا تقّدم العدو خلال عملية احتلاله لفلسطين. ويختزن الوعي الشعبي آلاف القصص عن مدى إيذاء هؤلاء المستسلمين والمتعاونين والمطبّعين مع العدو لحركات التحرّر الوطني بالأوهام التي سوّقوها حول الديمقراطية والحرية الفردية على حساب حرية الشعوب المستضعفة وحقوقها، ولم تجلب تلك الأوهام السائدة لدى بعض الفئات إلا مزيدا من الإرهاب الصهيوني ضد شعب أعزل ومستضعف.
تكمن واقعية الإنتفاضة في أنها تدرك أن عملياتها لن تحرّر فلسطين في الأيام القادمة ولكنها ستربك العدو وتربك من يقف وراءه ومعه. فإمعانه بالقتل وإعدام شبان وفتيات على الحواجز، ودهس الأطفال والعجائز وفلتان مستوطنيه القتلة وممارساته الوحشية واللانسانية في السجون وسعّت ساحات العداء للصهاينة في العالم، وأجبرت الدول الغربية على اتخاذ تدابير غير ديمقراطية بحق شعوبها ومنافية للحرية الفردية في بلدانها بالذات، دعما للكيان الصهيوني وخشية من رأي عام فتح عيونه وعقله على الواقع. فالهدف هو إرباك العدو بكل ما استطاع الفدائيون إرباكه، وجعله يظهر على حقيقته، كيان معتدي ومتوحش وجبان في الوقت ذاته، غارق في تناقضاته الوجودية، لا يسعفه إلا الدعم الأميركي والغربي بشكل عام، بل أيضا المستسلمين للهيمنة الغربية والفئات المطبّعة، من العرب المسلمين، الواهمين بأن الشعوب المستضعفة ستنصفهم وتتذكرهم بغير أفعالهم الإجرامية.
واقعية الإنتفاضة والمقاومة بشكل عام أوصلت الى حكم هذا الكيان الفئات الأكثر إجراما والأكثر وضوحا، الذين يمثلون حقيقة المشروع الصهيوني، لا تغلّفه شعارات رنانة عاش عليها فترات من الزمن وصدّقها الواهمون، في حين كان يبتلع المزيد من الأرض الفلسطينية ويهوّد البلاد.
أثبتت التجربة النضالية والجهادية في فلسطين، منذ وعد بلفور، أن خيار المقاومة والقتال ضد الصهاينة هو أكثر الخيارات واقعية، ولم تُبتلع الأرض ويُشرّد الشعب إلا لأنه تم إبعاد هذا الخيار من قبل فئة حاكمة مرتبطة بتسويات شاملة، لم تحصل في نهاية المطاف على شيء يذكر ولن تحصل، وذلك لأن هذه التسويات، منذ الاحتلال البريطاني، مبنيّة على أوهام وأحلام لم تعتبر من تاريخ هذا الكيان وموقعه في مشروع السيطرة الغربية على وطننا.