راغدة عسيران
لم تعد الحرب التي تخوضها أجهزة القمع الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني وفي مدينة القدس تحديدا مقتصرة على البالغين، بل ومنذ استشهاد الطفل أحمد أبو خضير في حزيران 2014، تصب هذه الأجهزة عنفها وهمجيتها على أطفال وشبان وشابات مدينة القدس وأحياءها وضواحيها، بالتزامن مع هجمات المستوطنين المتكررة عليهم ودهسمهم بمركباتهم على الطرقات، داخل أحياء القدس أو على الطرقات الاستيطانية المخصصة لهم. تقتحم الأجهزة القمعية البيوت ليلا لتخطف الأطفال من أحضان عائلاتهم وتزجهم في السجون، بعد ضربهم وشتمهم وتعذيبهم، جسديا ومعنويا. يتم خطف الأطفال في الشارع، لدى خروجهم من منازلهم أو من مدارسهم. يتم إعدام الشبان والشابات على حواجز الاحتلال، أو على سطوح منازلهم عندما يتمكنون من الهرب من الإعتقال في منازلهم. الأجهزة القمعية الصهيونية جاهزة لإطلاق النار عليهم ولإعدامهم بدم بارد، وكلما اشتدت الإنتفاضة، كلما زادت وحشية الصهاينة، من الأجهزة القمعية الى المستوطنين الأفراد، وكلما شرّع الكنيست الصهيوني ممارسات أجهزته القمعية الى أن وصل الأمر الى تشريع اعتقال الأطفال دون سن 14 سنة، بحجة تنفيذهم عمليات ضد الإحتلال.
تضاعف عدد الأطفال الفلسطينيين المعتقلين في السجون الصهيونية. تشير الأرقام الأخيرة الى اعتقال 860 طفلا بينهم 136 تتراوح أعمارهم من 7 اى 11 عاما، في "القدس الشرقية" وحدها، وذلك منذ اندلاع انتفاضة القدس بداية تشرين الأول الماضي. ومن لم يعتقل في السجون، يتم الحكم عليه بالسجن المنزلي، في حيّه أو حيّ أقاربه. تدلّ هذه الهجمة الشرسة ضد الأطفال الفلسطينيين الى فقدان السيطرة الصهيونية على الوضع الأمني في مدينة القدس، تحديدا، ومحاولة إرهاب الجيل الصاعد تمهيدا لبسط سيطرة الصهاينة الى الأرض وخاصة على عقل الجيل الفلسطيني الصاعد.
حاولت المؤسسة الصهيونية، لا سيما بعد انتفاضة الأقصى، توسيع نطاق عمل أجهزتها التعليمية والثقافية في مدينة القدس، وقدّمت الأموال والمحفذات المختلفة لفرض أسرلة المناهج التعليمية وما زالت تسعى لضم المزيد من المدارس المقدسية الخاصة، الى مناهجها، لتذويب الهوية الفلسطينية لدى الجيل الجديد. وابتكرت مؤخرا أسلوب تتعامل به في المناطق المحتلة عام 1948، وهو ما تسميه "الخدمة المدنية" حيث يتم "أسرلة" الشبان والشابات تحت ستار العمل الإجتماعي "التطوعي" في جمعيات تابعة للكيان المحتل. في حين تتواصل الحملة الشعبية الرافضة لهذه "الخدمة المدنية" في الأراضي المحتلة عام 1948، والتي وصفها المجتمع الفلسطيني ب"الخدعة" الهادفة الى محو الهوية الوطنية الفلسطينية، نقلت المؤسسة الصهيونية هذه التجربة الى القدس في العام 2011، ولكن لم يقدم عليها إلا حوالي مئة شابة، كما أوضحت الصحافة الصهيونية. وفي الآونة الأخيرة، أي بعد اندلاع الانتفاضة في أحياء القدس، اعتبر الصهاينة أن الأسرلة سلاح يجب استعماله لإخمادها، كما صرّح زئيف إلكين وزير "القدس" الليكودي الذي أعرب عن أمله بأن يؤدي «انخراط الشبان الفلسطينيين في الخدمة" ب"انخفاض من مستوى التوتر الأمني الذي بلغ ذروته منذ اندلاع الهبّة الفلسطينية في تشرين الأول الماضي".
تقع المؤسسة الاصهيونية في مأزق وجودي : فهي من جهة لا تستطيع إلا قمع الشعب الفلسطيني وأطفاله وشبابه، لأنه يرفض الإنصياع الى الواقع برفضه وجود الكيان الإستيطاني الصهيوني على أرضه، ومن جهة أخرى، تسعى لتغيير الوجدان والوعي لدى الأجيال الناشئة من خلال تقديم الخدمات وتلميع صورة الكيان "الحضاري" في عيونهم. ولكن، كيف يمكن لطفل فلسطيني أن يرى العدو إلا من خلال القصف الهمجي لبيوت أطفال غزة وقتلهم وتشريدهم ومنع الدواء والشفاء عنهم، ومن خلال المداهمات الليلية لمنازلهم وتوقيف أمهاتهم وأبائهم وإعدام أفراد عائلتهم أو أصدقاءهم ؟ كيف يمكن لطفل فلسطيني في القدس أن يستوعب أن "إسرائيل" دولة تسعى الى حمايته وتأمين له حياة مرفهة، كما تدعي مؤسساته التربوية، عندما تحارب كل وجود عربي في القدس وتدمّر منزله وتلاحق أبناء شعبه في كل أزقة وشارع وحارة من حارات القدس وتلاحقه مركبات المستوطنين لدهسه وقتله ؟ باستطاعة العدو تلميع صورته كيفما شاء، غير أن مدرسة الإنتفاضة والمقاومة هي الأقرب الى وجدانه وحياته اليومية، لأنها أثبتت له، منذ الطفولة، أننا أمام عدو همجي إرهابي يسعى لطرد شعبه عن أرضه وإحلال المستوطنين مكانه. فكتبه وصحفه وبرامجه الترفيهية والثقافية ومشاريعه التطبيعية من خلال المبارات الرياضية أو غيرها، إن حاولت تجميل صورته، تصطدم بالواقع، واقع الإعدامات وحرق الأطفال في بيوتهم، والإعتقال والتعذيب والإهانات والشتائم، وهدم البيوت وطرد العائلات من بيوتها وأحيائها.
مدرسة الإنتفاضة، انتفاضة القدس والإنتفاضات والثورات السابقة، منذ وعد بلفور والإحتلال البريطاني الى الآن، هي التي عمقّت الوعي لدى الجيل الصاعد بضرورة التصدي للإستعمار وبرفض إملاءاته وقوانينه، مهما توحّش، وبرفض روايته المزوّرة وأقواله المعسولة التي تنافي الواقع. كثير من الشهداء والأسرى اليوم، قد تم اعتقالهم عندما كانت تتراوح أعمارهم بين 12 و15 عاما، كما هو حال الشبل ليث الحسيني (17 عاما اليوم) الذي اعتقل للمرة الخامسة في آب 2015، وكان قد تعرفّ على حياة السجن لأول مرة وهو في عمر 12 سنة، وكان يومها أصغر أسير في سجون الإحتلال. مهما ركزّ الإحتلال على تشويه الوعي الفلسطيني، من خلال اسرلة المناهج التعمليمية أو تسويق "الخدمة المدنية" في القدس، سيفشل أمام مدرسة الإنتفاضة والمقاومة، حتى وإن دعمته أوهام إتفاقيات أوسلو والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الدولية، لأنه يصطدم بالواقع اليومي الذي تصنعه الإنتفاضة.
المصدر: وكالة القدس للأنباء