راغدة عسيران
يسير الفدائيون الجدد بخطوات ثابتة، لا يلتفتون إلى كلّ الذين يطلقون أوهاما جديدة قديمة أو يحاولون تأطير الانتفاضة في مشاريعهم السياسية. ماذا قال هؤلاء الفدائيون أياماً أو ساعات قبل تنفيذ عملية طعن أو دهس أو إطلاق نار على المحتلين؟ ماذا قال أهلهم بعد استشهاد أبنائهم وبناتهم؟ كيف يواجه الأسرى الذين تمّت إصابتهم وتعذيبهم، الأحكام التي صدرت بحقهم؟ يكفي متابعة أخبارهم للتأكّد من أنّ الفدائيين الجدد لا ينتظرون أي حل لصراعهم مع المحتل، لا من خلال استئناف المفاوضات مع قيادته، ولا من خلال قرارات الأمم المتحدة بعد الضغط عليها (إن استطاع أحد الضغط أصلاً)، ولا من خلال القوى السياسية التي تسعى لضبطها في برنامج مرحلي آخر، يقوم على أوهام أخرى، وكأنّها صاحبة القرار في الوقت الحاضر.
أطلق الفدائيون الجدد الانتفاضة، انتفاضتهم التي ليس لها سقف سياسي محدد، إلا رحيل المحتل عن فلسطين، بتوجيه الضربة حيثما وجد، في الأرضي المحتلة عام 1967 أو 1948، في المستوطنات أو على الطرق والشوارع وعلى الحواجز، وإن استطاعوا في ثكناته أو قربها. الفدائيون الجدد هم قلب الانتفاضة، سلاحهم بسيط ولكنه يتطور، يهاجمون المحتل بعد التخطيط، فرادى أو مع الأصدقاء والأقارب. ويلتف حول انتفاضة القدس من يلتف ويشتبك من يشتبك مع المحتل أمام ثكناته وسجونه، أو في داخل المخيمات حيث يقتل العدو فدائيين صمّموا على مواجهته.
ماذا يريد الفدائيون الجدد؟ قال البعض إنهم يريدون الثأر من إعدام أقربائهم وأصدقائهم والفدائيات الفتيات التى تمّ أعدامهنّ أمام أنظار العالم، الذي لم يتحرك. وكأنّه ثأر شخصي، وليس ثأراً لشعب بكامله، يُحرق أطفاله في بيوتهم التي افترضها آمنة، يسجن شبابه ويقتل، ويهان على الحواجز، تنتهك حرمة بيوته ألف مرة في كلّ ليلة، تسرق أراضيه في وضح النهار وأمام العالم وكاميراته، يعذّب أسراه في أقبية السجون، وهم أبناء وبنات الشعب كله. التفت الشهيد مهند حلبي الى المرابطات أمام المسجد الأقصى وكتب للرئيس "عذراً، نحن لا نعرف قدس شرقية وغربية، فقط نعرف أن لنا قدس واحدة غير مقسمة وكل بقعة فيها مقدسة. عذراً يا رئيس فما يحدث لنساء الأقصى والأقصى لن توقفه الطرق السلمية، فما تربّينا على الذل، والدفاع عن حرمة الأقصى ونسائه هو شرفنا وعرضنا والدفاع عنه بأي شكل أو وسيلة يعتبر قانوني".
تروي عائلة الشهيد عبد الرحمن رداد (17 عاما) أنّه كان يصرخ كلما شاهد اعتداء جنود الاحتلال على المرابطات، "لا يوجد أحد يمنعهم ويتصدى لهم؟" يروي والد الشهيد فؤاد التميمي (21 عاما) أنّه، وقبل استشهاده بثلاثة أسابيع وأثناء تواجده في بلدة القدس القديمة، مرّ عن مجموعة من جنود الاحتلال وقد أوقفوا فتاة استنجدت به وكانت خائفة، "تدخل فؤاد مدافعاً عن الفتاة، ليتعرض للضرب المبرح من قبل الجنود.. جاء إلى المنزل وعلامات الضرب والكدمات في كلّ جسمه وأخبرني بما حدث معه".
هم الفدائيون الذين قرّروا الدفاع عن الوطن والشعب، ولم ينتظروا قرار المواجهة من أحد، كما قرّر الأسرى خوض معركة الأمعاء الخاوية دفاعاً عن كرامة الوطن والشعب. قد ينتمون الى فصائل مقاومة أو لا ينتمون، إلا أنّ الأجواء الوطنية (الحاضنة الشعبية) البعيدة عن كل الحسابات السياسية الضيقة والعائلات الكريمة التي ينتمون إليها ولّدت جيلاً لا يخاف من الصهيوني، ولا يريد تقاسم الوطن معه، ولا يحلم إلا بالعودة الى حيفا ويافا، كما صرّحت والدة الشهيد مهند حلبي عندما دمّر العدو منزل العائلة : "هم بدهم يهدوا بيت مهند عشان يقتلوا عزيمتنا وقوتنا وإصرارنا على تحرير بلادنا إن شاء الله، بس فشرت عينهم رح نظلنا نقاوم حتى يزول كل الاحتلال مش بس 48 والـ 67، أنا بتنازلش عن بلدي يافا، شبر واحد من فلسطين مش رح نتنازل عنه وإن شاء الله بهدم بيت مهند تنهدم إسرائيل كلّها". لقد دفنوا أوهام "السلام" وأوهام "الدولتين"، وذلك لأنهم فهموا، من خلال تجربتهم القصيرة، من هو عدوهم وكيف يزحف مستوطنوه، وكيف يخنق حياة الفلسطينيين على امتداد الوطن. فكتب الشهيد أمجد سكري (أبو عمر) "على هذه الأرض ما يستحق الحياة. بس للأسف، مش شايف شي يستحق الحياة ما دام الاحتلال يكتم أنفاسنا ويقتل إخواننا وأخواتنا. اللهم ارحم شهدائنا وأشفي جرحانا وفك قيد أسرانا. أنتم السابقون ونحن بإذن الله بكم لاحقون". لم يضع الشهيد أبو عمر أي سقف سياسي للعملية التي نفذها، رغم انتمائه الى الأجهزة الأمنية، بل نفّذ عملية نوعية على حاجز "بيت أيل"، وهو الحاجز الخاص بسيارات أركان السلطة الفلسطينية.
يريد محمود عباس محاصرة الانتفاضة ببث الأوهام، ويقدم الأوراق المطلوبة دون أن يلتفت اليه الصهاينة، يطلب من الأجهزة الأمنية تفتيش حقائب التلاميذ لمنعهم من تنفيذ عمليات طعن، والتدخل في الجامعات لمنع "التحريض" على العدو ومنع الاشتباك معه، كما كان الوضع في بداية الإنتفاضة. وبدلاً من احتضان الانتفاضة والفدائيين وعائلاتهم، وتحويل كل الأنظار نحو مسيرتها، وتوسيع شبكات دعمها في الوطن والدول العربية والإسلامية، وفي العالم لكسر الحصار المطبق عليها وعلى شبابها، من الناحية الإعلامية والسياسية، تتبعثر الجهود المناضلة حول الجزئيات وتلتحق بمعارك جعلتها جانبية لعدم ربطها بالمعركة الأهم التي شنّها الفدائيون الجدد على أرض فلسطين، كالدفاع عن حركة المقاطعة العالمية ضد الكيان، وكأنّ هؤلاء الشباب لم يزعزعوا أمن الصهاينة واقتصادهم، ولم يربكوا جيشهم وأجهزتهم القمعية الأخرى.
لم يلتفت الفدائيون الجدد الى هذه المعارك الجانبية، ولا إلى كواليس السلطة وأوهامها، ولا الى نداءات البعض لتبني برنامجاً نضالياً حدّدوا مطالبه مسبقاً، فهم سائرون لتنفيذ المزيد من العمليات، بعون الله تعالى، تاركين لنا البحث عن كيفية المشاركة في انتفاضتهم.
المصدر: وكالة القدس للأنباء