راغدة عسيران
منذ معركة الكرامة التي خاضها الشيخ خضر عدنان، في نهاية عام 2011، ضد الإعتقال الإداري، حيث انتصر على العدو وأجهزته الأمنية المختلفة، عادت الى الواجهة عناوين كانت ثقافة السلطة والإتفاقيات مع العدو قد حاولت إزالتها عن وعي وسلوكيات الشعب الفلسطيني، وهي عناوين الكرامة ورفض الإذلال، والمواجهة ومشروع الشهادة، والإرادة الصلبة والتحدي، والتوكل على الله وعدم الإكتراث للأصوات المشككة بجدوى المعارك ضد الإحتلال، في ظل الأوضاع العربية والإقليمية والدولية الحالية، وعدم الركون الى نوايا المحتل وتعهداته، وعدم إنتظار قرار دولي يدين الإحتلال أو تحقيق عن إنتهاكاته من قبل لجنة دولية، وغيرها من العناوين التي حملها كل من خاض معركة الأمعاء الخاوية بعد الشيخ خضر عدنان، كالاسيرة هناء شلبي والأسير المحرر سامر العيساوي، والمحامي محمد علان وأخيرا، الصحافي محمد القيق، وغيرهم من الأسرى، معظمهم من الإداريين.
تميّزت معركة الأمعاء الخاوية التي خاضها هولاء الأسرى بكونها فردية أو شبه فردية، إذ خاض أحيانا بعض الأسرى الإضراب عن الطعام، تضامنا مع الاسير المضرب. كما تميّزت بأن المضرب عن الطعام كان يطالب بالحرية، وليس بتحسين شروط الإعتقال، وذلك لأنه كان خاضعا للإعتقال الإداري، الإعتقال العشوائي الذي يطال كل فلسطيني، تتهمه الأجهزة الأمنية الصهيونية بدور ما في زرع روح المقاومة في صفوف الشعب، حتى وإن لم يكن يحمل السلاح. وتعكس حملة الإعتقالات الإدارية، بين الحين والآخر، مدى تخوف العدو من جاهزية الشعب لمواجهة المحتل الغاصب، وذلك لأنه يفضّل النهب والقتل والدمار دون مقاومة..
الإعتقال الإداري استفزازي، عشوائي وتعسفي، يراد منه إذلال الشعب الفلسطيني وإخضاعه جسديا ومعنويا وفكريا. من هذا المنطلق، ردّ الشيخ خضر عدنان بخوضه "معركة الكرامة"، كرامة الفرد والشعب الفلسطيني الذي يرفض الحواجز والتفتيش والإهانات وكل ممارسات الإحتلال التي يعاني منها كل فلسطيني يرزح تحت الإحتلال. يتم هذا الإعتقال وفقا لتقديرات الأجهزة المخابراتية، كما حصل مع بداية الحرب الإرهابية الأخيرة على قطاع غزة، حيث تم زج المئات من المناضلين والمعتقلين القدامى بالسجون، فقط لأن الصهاينة ارتعبوا من دورهم المحتمل في تحويل الإحتجاجات الشعبية الى مواجهات مع قواتهم. فيتم تمديد هذا النوع من الإعتقال الى ما لا نهاية، لحين تقدّر الأجهزة الأمنية أن المناضل لم يعد يشكّل أي تهديد على أمن الكيان، أي أنه خلافا للأسير الذي صدر حكما بحقه، لا يعرف المعتقل الإداري متى سيتم الإفراج عنه، ما يسبب مزيدا من المعاناة له ولأهله وأقاربه، وكثيرا ما تم تمديد الإعتقال في آخر لحظة، عندما كان الأسير قد جهّز نفسه للخروج من السجن، وذلك كأداة ضغط عليه وممارسة سادية إضافية من قبل الأجهزة الأمنية.
بعد إنخفاض عدد المعتقلين الإداريين الى حوالي 200 معتقل إداري، شهدت السنتان الأخيرتان تصاعدا ملحوظا في عددهم، تزامنا مع بداية المواجهات الشعبية في قرى ومخيمات وبلدات وجامعات الضفة الغربية، بما فيها القدس، تتوّجت بحملة الإعتقالات في حزيران – تموز 2014 والهجمة الأخيرة منذ اندلاع انتفاضة القدس.
عندما خاض الشيخ خضر عدنان الإضراب عن الطعام بعد إعتقاله في أواخر العام 2011 ، كان يدرك حالة الشلل التي أصابت الحركة الأسيرة وتراجع الإهتمام بفلسطين وبشعب فلسطين، عربيا وإقليميا ودوليا. لم يلتفت الى الأصوات التي نصحته بعدم خوضه الإضراب المفتوح على الطعام، بسبب الأوضاع السياسية العامة، بل حاول تغيير وجهة البوصلة الفلسطينية والعربية، من خلال السلاح الذي يمتلكه، الإرادة الفولاذية وجسده. بعد مضي أسابيع من إضرابه، إلتفّت الجماهير الفلسطينية حوله في كل مكان والتحمت بنضاله، لأنها اكتشفت أو أعادت إكتشاف معنى التضحية وقوة الإرادة وإمكانية تراجع المحتل رغم جبروته. فتفاعلت الجماهير الفلسطينية بالطريقة ذاتها مع كل أسير أعلن خوض الإضراب وطالب بالحرية في معركة التحدي للإحتلال، حتى وصل الصوت الى البلدان العربية والأجنبية، حيث خرجت المظاهرات رافعة صور هؤلاء الأسرى ومندّدة بالسجان الصهيوني. ومن أهم أسباب إلتفاف الجماهير الفلسطينية والعربية حول الأسير المناضل، شعورها أن معركته لوجه الله، لا يبحث عن إستثمار لها لصالح فئة سياسية معيّنة، وإن كان ينتمي الى فصيل وحركة معيّنة.
إضافة الى القيم والعناوين التي ثبّتها الأسرى الذين خاضوا معركة الأمعاء الخاوية، في وعي الجماهير الفلسطينية والعربية، فإن تسلسل الإضرابات عن الطعام، منذ بضع سنوات، عزّز وعي الجماهير الفلسطينية حول القضايا الوطنية، ومنها قضية الأسرى، التي أصبحت قضية المطالبة بكرامة الإنسان الفلسطيني ضد الإعتقال والنهب والوقوف على حواجز المحتل. لم تعد "التسهيلات الإقتصادية" أو التصاريح المؤقتة للتبضع خلال الأعياد التي يراد منها التعويض عن الإذلال اليومي، تعني الكثير لدى الشباب، حين يخوض فلسطيني حر معركة مصيرية بمفرده، ضد دولة مدججة بالسلاح وأجهزة أمنية تقف عاجزة أمام إصراره وإرادته الفولاذية. شكّل هذا الشحن المستمر، من خلال تسلسل الإضرابات، وعيا راسخا لدى الأجيال الفتية، حول إمكانية الإنتصار على المحتل وعلى قراراته بأدوات فردية، بشرط إمتلاك الشجاعة والإرادة وعدم إنتظار قرار المواجهة العامة، ومع القناعة الراسخة بأن الشعب يؤيد كل فعل مقاوم وينتصر لكل مقاوم يتحدى الغزاة.
لقد وحّدت نضالات الأسرى الشعب الفلسطيني، من قطاع غزة الى الضفة الغربية، ومن أراضي 48 الى اللجوء، والإلتفاف حول الصحافي البطل محمد القيق خير دليل على ذلك، لا سيما وأنه اعتقل خلال الإنتفاضة الحالية، لإسكات صوتها ومنع التفاعل معها في أرجاء العالم. من هذه الناحية، فكانت إرادته وصلابة موقفه تعكس إرادة الإنتفاضة وصلابة شبابها المقاوم.
رغم عدم إلغاء الإعتقال الإداري حتى اليوم، لا شك أن نضالات الأسرى ضد هذا النوع من الإعتقال حقّقت إنجازات كبيرة، أقلها على مستوى الوعي الوطني والسلوك النضالي، تماما كما تحقّق اليوم البطولات اليومية للمقاومين في فلسطين المحتلة، الذين يواجهون الغزاة عن مسافة قصيرة، طلبا للشهادة والكرامة والحرية الحقيقية، وليس بسبب اليأس كما يدعي اليائسون والصهاينة.
المصدر: وكالة القدس للأنباء