/مقالات/ عرض الخبر

أضواء على إنتفاضة القدس.. تحديد العلاقة مع الإستعمار الإستيطاني الصهيوني

2016/01/20 الساعة 06:40 ص
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

راغده عسيران

وكالة القدس للأنباء - خاص

اندلعت إنتفاضة القدس في شهر تشرين الأول الماضي بعد مضي أكثر من سنة من مواجهات متواصلة في معظم أحياء القدس وفي المسجد الأقصى وحوله، حيث استخدم المقدسيون أنواع مختلفة من الأسلحة، من الحجارة الى الدهس والطعن، مرورا بالألعاب النارية والأسلحة والمواد المتفجرة. وفي المسجد الأقصى، دافع المرابطون عن أنفسهم بالعصي، بعد تسلحهم بإرادة التصدي والتكبير. وعندما منعت قوات الاحتلال المصلين من دخول المسجد، واجهوا قرار المحتل بالتجمع أمام أبواب المسجد وإقامة الصلاة أمام الجنود والشرطة المدججة بالسلاح، وبتكثيف القافلات من الداخل المحتل الى القدس والمسجد الأقصى، كتحدي للنظام الإستعماري وخططه، وكل من يقف معه أو يسكت عنه.

اندلعت إنتفاضة القدس بعض مضي أكثر من عام على حرب الإبادة التي شنها العدو على قطاع غزة ومقاوميه، حيث كان رد المقاومة بقصف تل أبيب وكبرى المستوطنات في الأراضي المحتلة عام 1948 وما يسمى ب"غلاف غزة" من أروع المشاهد التي اجتمع حولها ليس فقط الشعب الفلسطيني بل الشعوب العربية والإسلامية والشعوب الحرة في العالم، بسبب فظاعة القتل والدمار الذي اقترفه المحتل من جهة والأعمال البطولية للمقاومة الفلسطينية من جهة أخرى، التي أثبتت مرة أخرى أن مواجهة العدو والمقاومة أفضل الطرق للحفاظ على المكتسبات الوطنية، وإن جاءت في ظروف غير ملائمة دوليا وإقليميا وعربيا.

أثار تكرار مشاهد القتل واستفزازات المستوطنين، حرق ودهس واعتقال الأطفال وإهانة المرابطات وغيرها من ممارسات العدو، مشاعر الغضب لدى أبناء القدس والخليل ونابلس والنقب، الذين لبّوا نداء العزة والكرامة ونفذوا عملياتهم البطولية ضد الصهاينة المستعمرين، مستعيدين مسيرة المقاومة خلال الثورة الكبرى وكل العمليات الفدائية التي ضربت أمن الغزاة من 1948 الى اليوم

رفض الثوار والمجاهدون اللجوء الى الهيئات الدولية لفضح ممارسات الغزاة، أو الإعتماد على تفهّم المنظمات الدولية لمعاناة وعذابات أهلهم، أو التعويل على قرارات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، لأنها غير فاعلة وغير عادلة أصلا، كما رفضوا إنتظار تغيير موازين القوى الدولية والإقليمية، لأن الركون اليها يعني استمرار العدوان على الشعب الفلسطيني، بكل فئاته، في فلسطين المحتلة عام 1948 وباقي المناطق الفلسطينية وفي اللجوء (إلغاء حق العودة)، حتى القضاء على القضية الفلسطينية وعلى كافة مقومات صمود الشعب الفلسطيني.

فقرّر الثوار والمجاهدون انتهاج طريق المقاومة والمواجهة، التي انتهجها آباءهم وأجدادهم قبل مئة عام، لأنها الطريق التي تحفظ القضية والشعب. بعد ما يقارب مئة عام على وعد بلفور المشؤوم، لم يتمكن الصهاينة من إقامة دولتهم كما خططوا لها، دولة تضم كافة أو معظم يهود العالم، على أرض يطمحون الى إخلاء شعبها بالكامل وطرده الى الدول المجاورة أو أبعد، والى فرض سيطرتهم الأمنية والإقتصادية والثقافية على المنطقة. فمقاومة الاستعمار الصهيوني الاستيطاني، من قبل الفلاحين في الجليل ومنطقة يافا خاصة، في بدايته، وحتى الآن، أدخلت العديد من التعديلات على خطط واستراتيجيات العدو وأعوانه، وأربكته وقلّصت طموحاته، وأثارت الانقسامات في صفوفه وما زالت، رغم وقوف القوى العالمية الى جانبه وحمايته، واستسلام معظم الأنظمة العربية والإسلامية للهيمنة الامبريالية، أي رغم المعادلة الدولية والإقليمية غير المنصفة لشعوب المنطقة والعالم.

اعتقد بعض قياديي منظمة التحرير الفلسطينية ومن بعدها السلطة الفلسطينية، أنه يمكن التغلّب على الكيان الصهيوني من خلال القوى العظمى والأمم المتحدة، وفرض التراجع عن ممارساته من خلال المنظمات الدولية المختلفة. فتبنّوا خطابها وشعاراتها، وقدّموا التنازلات تلو التنازلات، كتجريم مقاومة ومواجهة العدو في كافة المناطق، وفصل أراضي 48 عن الضفة الغربية وقطاع غزة. وحاولوا استبدال روح المقاومة وأدبياتها، متذرعين بالواقعية السياسية، بأدبيات الإنتظار والركون الى المجتمع الدولي وقراراته. ولكن لم ينتج عن هذا الإعتماد على المجتمع الدولي إلا مزيد من العدوان والمجازر، ومزيد من الاستيطان والإستفزاز، والانقسامات الداخلية والشلل، وتراجع صوت فلسطين في العالم. تفتخر هذه القيادة برفع العلم الفلسطيني أو فتح سفارة في دولة أوروبية، معتبرة ذلك إنجازا مهما، بعد أن فتحت طريق تطبيع العلاقات العربية والعالمية مع الكيان الصهيوني ومكّنته من التوسع الإقتصادي والأمني في العالم، بمباركة المجتمع الدولي.

ولكن اندلعت انتفاضة القدس لتؤكد على مواصلة الطريق الطبيعي الذي كاد يضيع في أروقة السلطة والمنظمات الدولية، والذي انتهجه الآباء والأجداد لمواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني. وهو الطريق الذي يرفض الاعتماد على الغير وانتظار معادلة دولية وإقليمية مناسبة، وذلك لأن أبناء الإنتفاضة يدركون أن أي مواجهة مع الإحتلال تضعفه وتربكه وتغذي تناقضاته، وتكسر شوكته وتعريه أمام العالم، إضافة الى أن الإنتفاضة تستطيع إرباك بعض هذه المعادلات، بعد إلتفاف أحرار العالم حولها. فرضت الإنتفاضة خطابها الوحدوي وخطها المقاوم، من خلال عمليات أبناءها وتشييع شهداءها، ورسائلهم وتصريحات أهلهم، ونضالات أسراها ومعتقليها، وتكاتف شعبها في المدن والمخيمات في فلسطين، من غزة الى الأراضي المحتلة عام 48، والى مخيمات اللجوء حيث تؤكد يوميا الفصائل والمؤسسات الشعبية الفلسطينية على مساندتها لشعبها المقاوم، رغم التدهور الخطير لأوضاع اللاجئين الفلسطينيين، بسبب سياسة الأونروا والمجتمع الدولي.

أكدّت إنتفاضة القدس أن الطريق الطبيعي للتعامل مع الإستعمار الإستيطاني الصهيوني، المدعوم من أنظمة المجتمع الدولي، هو المواجهة، الفردية أو الجماعية، والمقاومة، ولا بديل عنهما لأنهما طريق الوحدة، الفصائيلة والمجتمعية والمناطقية، وطريق التحرير، والطريق الأسلم لتكبيد العدو الخسائر الأمنية، والإقتصادية، في سمعته الدولية ومعنوياته الفردية والجمعية، وتفسخه المجتمعي والسياسي. أما طريق الانتظار والإعتماد على المجتمع الدولي ومنظماته، فلا ينتج عنه إلا الفشل والإنقسام الداخلي، وتمكين العدو واستعادة عنجهيته، وضياع الأرض والقضية

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/86497

اقرأ أيضا