راغدة عسيران
من قطاع غزة الى جنوب لبنان، المشهد يتكرّر: يندفع الشباب نحو"حدود" فلسطين المحتلة، مهما اختلفت الأسباب، فيفقد العدو أعصابه، ويقتل ويجرح عشرات من الفلسطينيين.
في 9 تشرين الأول الفائت، اندفع شباب غزة، بعد صلاة الجمعة، نحو المنطقة العازلة والشريط "الحدودي" بين قطاع غزة وكيان العدو، دعماً لانتفاضة القدس. لم يحمل الشباب أي سلاح، إلا بعض الحجارة، ولكنهم كانوا مسلحين بعزيمتهم وحبهم للأقصى والقدس. ورغم ذلك، استهدفهم الجنود الصهاينة بالرصاص الحيّ، مركزين على الرأس والصدر. فسقط في ذلك اليوم 6 شهداء وجرح أكثر من 60 مواطناً، على معبر بيت حنون وخان يونس.
وفي 15 أيار 2011، خرجت "مسيرة العودة" من مخيمات اللجوء في لبنان، وتوجه الشباب من أعالي مارون الراس إلى السياج "الحدودي"، متسلحين فقط بحبهم لفلسطين وقراهم ومدنهم التي شردوا منها، وحتى الحجارة لم تكن يومها في أيديهم. لقد أرادوا فقط العودة الى الوطن والتعبير عن تمسكهم بحقهم بالعودة إليه. رغم ذلك، لم يتردد جنود العدو من استهداف المتظاهرين المسالمين، بالرصاص الحي. فسقط 6 شهداء وجرح العشرات من أبناء اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. تكرّر المشهد ذاته أيضاً في الجولان السوري، عندما توجه الشباب الى المنطقة المحتلة، في 6 حزيران من ذلك العام.
عملية القتل الجماعي على هذه "الحدود"، سواء في غزة أو جنوب لبنان أو الجولان السوري، تدلّ على ارتباك العدو حين يجتاز الفلسطيني هذا "الخط الأحمر". مجرد فكرة تجاوزه يعدّ من المحرمات لديه؛ وهو مستعد للقتل وارتكاب المجازر تلو المجازر بحق الفلسطيني كلما اقترب منها، حاملاً شعلة الحرية. وعندما يقتل ويرتكب المجازر على "الحدود"، لا يشعر العدو بأي ذنب، ولا يفكّر أصلاً بتأليف لجنة تحقيق للبحث في أسباب المجزرة أو القتل الجماعي في حق شباب غير مسلحين، معتبراً أنه يدافع عن وجوده. وذلك لأن اجتياز حدود كيانه يعيد التاريخ إلى الوراء؛ ويذكّر بما يجب على العالم أجمع أن ينساه، حسب رأيه، أي النكبة وطرد الفلسطينيين من وطنهم.
عدوانية الكيان الصهيوني إزاء عودة اللاجئين الى فلسطين، بشكل فردي أو جماعي، مستمرة منذ النكبة. لقد حاول بعد النكبة أن يلغي هذا الطموح الفلسطيني بقتل وإعدام من سماهم "المتسللين" أي الفلسطينيين الذين كانوا يعودون، بشكل فردي، إلى قراهم، لأخذ أمتعتهم وتموينهم فقط. حينها أيضاً، مجرد التفكير بالعودة الى القرية، ولو لفترة قصيرة، تعدّ بالنسبة للعدو جريمة تستحق القتل، وذلك لأنه يريد قطع أي علاقة، مادية أم معنوية، بين اللاجئ وأرضه وقريته ومدينته، وبين اللاجئ وبقية شعبه.
اجتياز الحدود المصطنعة، من غزة أو لبنان إلى فلسطين المحتلة، يؤلم العدو، الذي اعتبر لعقود أنه يعيش بأمان، بعد أن أمن تفوقه العسكري والأمني. فلم يتصور، قبل 2011، أن اللاجئين وبقية الفلسطينيين، الذين لم يسمح لهم العدو بالدخول الى كيانه كـ "زائرين"، سيجتازون هذه الحدود، رافعين شعار القدس أو العودة.
فرغم تهويد المكان والأسماء، وتدمير القرى والأحياء، وإقامة المستوطنات والتشجير، لمحو المعالم الفلسطينية على هذه الأرض، ما زال اللاجئ متمسك بحقه بالعودة الى فلسطين. وبفضل المقاومة المسلحة، التي أفقدت العدو هيبته وكسرت شوكته، باستطاعة الفلسطينيين اجتياز "الحدود" رافعين شعار العودة والقدس والأقصى.
المصدر: وكالة القدس للأنباء