حول الضم والفصل العنصري وتحرير فلسطين

05 حزيران 2020 - 12:09 - الجمعة 05 حزيران 2020, 12:09:44

بقلم: راغدة عسيران

قرّرت حكومة الاحتلال الصهيوني ضمّ أجزاء من الضفة الغربية المحتلة (الأراضي التي أقيمت عليها المستوطنات ومعظم المناطق المصنفة "جيم" في اتفاقيات أوسلو)، وهي أراض تحيط بالمدن الفلسطينية وتخنقها، وأراض غنية بالموارد الطبيعية، تقع على المرتفعات أو بين البلدات الفلسطينية، وتعزل الضفة الغربية عن محيطها العربي (غور الاردن) وعن أهلها في القدس والأراضي المحتلة عام 1948.

وبعد خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في بداية العام، مقدّما "صفقة القرن"، شرع المسؤولون الأميركيون والصهاينة الى ترسيم "حدود" القطعة الفلسطينية المتبقية التي يسعى الأميركيون لفرضها على الشعب الفلسطيني.

تكمن خطورة خطوة ضمّ أجزاء مهمة من الضفة الغربية المحتلة الى كيان العدو كونها تشرعن الاستيلاء عليها، كما شرعنت الاستيلاء على الجزء الشرقي من القدس واعتبرت المقدسيين مقيمين فيها وليسوا أهلها الأصليين، وشرعنت الاستيلاء على الجولان وحاولت فرض المواطنة "الإسرائيلية" على أهلها. وضمّ أراضي الضفة الغربية الى الكيان ينهي "حلّ الدولتين" (دولة فلسطينية الى جانب الكيان الصهيوني في حدود الرابع من حزيران 1967) الذي يطالب به أنصاره من الفلسطينيين والعرب ويؤيده "المجتمع الدولي"، ما يفسّر انتقادهم وشجبهم لخطة الضم الصهيونية.

فسحت اتفاقيات أوسلوالمجال لتوسّع عملية الاستيطان الصهيوني ومدّ الطرقات الاستيطانية التي تربط بين المستوطنات وتعزل المدن والبلدات الفلسطينية بعضها عن بعض، ولتدمير المنازل والمنشآت بحجة عدم الترخيص في المناطق المصنفة "جيم"، ومهّدت الطريق للضمّ، لا سيما بعد المباركة الأميركية لتهويد فلسطين وعجز المجتمع الدولي عن منع أي توسّع صهيوني أو التواطؤ معه.

تشكّل خطوة الضم خطورة أعظم وأهم من منع إقامة دولة فلسطينية ضمن "حل الدولتين"، وهي محاصرة التجمعات السكنية الفلسطينية والسيطرة عليها من خلال المياه والكهرباء، والتحكم بالسكان والعمل والتنقل بينها، واعتبار أن الضمّ خطوة نحو المزيد من التوسّع والسيطرة وتهجير الفلسطينيين، كما يحلم به الصهاينة منذ بداية زحفهم نحو فلسطين. ويمثل انتقاد مجلس المستوطنات في الضفة الغربية لخطة "صفقة القرن"، كونها تمنح الفلسطينيين بقعة أرض في الضفة الغربية، الفكر الصهيوني الأصيل الذي يتبناه معظم الصهاينة، والذي قد يتراجع عنه بعضهم مؤقتا وفقا لتغيير موازين القوى في العالم والمنطقة.

بعد اتفاقيات أوسلو، سارت خطة تهويد الضفة الغربية المحتلة على خطى تهويد الجليل المحتل عام 1948. بعد ان اكتشفت القيادة الصهيونية أن منطقة الجليل، رغم عملية التهجير التي دمّرت حياة أهلها، ما زالت عربية، قرّرت تهويدها من خلال إقامة المستوطنات على الأراضي الواقعة بين البلدات الفلسطينية وقرب مدنها (الناصرة مثلا) لمنع تطويرها وتمدّدها الطبيعي على أراضيها، وإقامة بؤر إستيطانية شبه عسكرية تعيش فيها بعض العائلات، على المرتفعات للتحكم بالمنطقة. ثم في المرحلة التالية، طوّقت المستوطنات اليهودية، من خلال توسعها المستمر، البلدات والقرى والمدن الفلسطينية، وضمت بعضها الى المجالس الإقليمية اليهودية، بعد فصلها عن محيطها العربي، لعزلها والتحكم بأهلها. والقرى التي كانت تعيش بجوار قرى فلسطينية أخرى أصبحت أحياءا فقيرة في مستوطنات ضمن هذه المجالس الإقليمية. واستكملت عملية التهويد بإلغاء الأسماء العربية للمدن والمناطق واستبدالها بأسماء يهودية، أو تحريفها، وإقامة الغابات والمنتزهات على الأراضي المنهوبة والقرى المدمّرة.

ما شهدته الضفة الغربية المحتلة وما تشهده اليوم يشبه ما عانت منه منطقة الجليل المحتلة، قبل عقود من الزمن، حيث عملية التهويد مستمرة بطرق مختلفة، بعد الاستيلاء على كافة أراضيها. ما يعني أن المشروع الصهيوني يتمدّد على الأراضي الفلسطينية الواقعة تحت سلطة فلسطينية لا ترفض المقاومة فحسب، بل تلاحق المقاومين وتزجهم في سجونها.

هل تعيش الضفة الغربية حالة "فصل عنصري" كما يردّد البعض، أم أننا نشهد استكمال الزحف الاستيطاني وتحويل الشعب الفلسطيني الى مجموعات بشرية وُجدت في المكان، في نظر الصهاينة الذين ينكرون الى اليوم وجود شعب فلسطيني متجذر في أرضه ؟

إن توصيف الحالة ب"الفصل العنصري" ينطلق من فصل ذهني وسياسي للضفة الغربية (والأراضي المحتلة عام 1967) عن امتدادها الجغرافي والتاريخي للداخل المحتل عام 1948، وإغفال تواصل الزحف الاستيطاني التهويدي منذ بداية الحركة الصهيونية الى الآن، ما يعني الاعتراف ضمنا بقرارات "المجتمع الدولي" التي قسمت فلسطين وساهمت في إقامة كيان العدو، وبتجزئة الشعب الفلسطيني التي أحدثها الصهاينة (لا سيما حول "المواطنة" في دولة الكيان).

الانطلاق من مقاربة "الزحف الاستيطاني التهويدي المستمر" يوحّد الأرض والشعب والقضية، ويواجه المشروع الصهيوني بكامله، وليس فقط آخر مستجداته، الضمّ أو محاصرة الفلسطينيين في بؤر أو معازل، كما تراها مقاربة "الفصل العنصري"، التي أطلقت تسمية "نظام الفصل العنصري" على كيان استعماري إحلالي تهويدي، لا تشكل عنصرية مستوطنيه إلا إحدى تجلياته.

الانطلاق من مقاربة "الزحف الاستطاني" المتواصل منذ أكثر من قرن من الزمن قد يسهم في بلورة مشروع وطني فلسطيني يضم فلسطينيي 48 واللاجئين، رغم تباين الأوضاع القانونية التي استحدثها كيان العدو بتعامله مع الفلسطينيين، مع أن نظرته الى فلسطين والفلسطينيين هي واحدة تتلخص ببعض الكلمات: "دولة يهودية" على كل بقعة يتم الاستيلاء عليها، و"أعداء يجب التخلص منهم أو تفتيتهم الى ما لا نهاية".

قد يجد العدو معوّقات كثيرة أمام مشروعه، رغم الدعم الأميركي اللامحدود له، وتواطؤ دول أجنبية وأنظمة عربية معه، بسبب وجود مقاومة فلسطينية وعربية وصعود قوى إقليمية معادية له أو غير منحازة اليه، والتفاف شعوب العالم الحرة حوله، إلا أنه يسير في طريق تطبيق فكرته، مستغلا كل الفرص التي يجدها أمامه.

في المقابل، تصدر الدعوات الى وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة المشروع الوطني لمواجهة كيان العدو، ولكنها تصطدم غالبا بحاجز التجزئة التي فرضها العدو واعترف بها "المجتمع الدولي" واستبطنها الفكر السياسي الفلسطيني، من جانبي "الخط الأخضر". لم تذكر مثلا دائرة العلاقات الدولية لـِ"م.ت.ف." الشهيد مصطفى يونس ضمن الفلسطينيين الذين استشهدوا في شهر أيار/مايو 2020.

هل يمكن بناء إستراتيجية وطنية واحدة تضم الكل الفلسطيني بهدف تحرير فلسطين وتجاوز هذه الحواجز وكسر القيود التي تكبّل الشعب الفلسطيني، وبعضها قيود وهمية اخترعها الاحتلال، كالمواطنة "الإسرائيلية" والمحاكم الصهيونية مثلا التي يلجأ اليها العديد من أجل تحصيل حقه؟ وكيف يمكن ربط الواقع المعاش اليومي والنضالات الجزئية في كل أماكن تواجد الشعب الفلسطيني، وخاصة في الداخل المحتل عام 1948، بهدف التحرير المركزي ؟ وما دور المؤسسات الشعبية في بناء هذه الاستراتيجية؟ 

انشر عبر
المزيد