/تقارير وتحقيقات/ عرض الخبر

"إسرائيل" ترفض فتح أرشيفات النكبة خوفاً على صورتها وروايتها

2016/09/22 الساعة 08:38 ص
فلسطينيون يحيون يوم النكبة
فلسطينيون يحيون يوم النكبة

 من المرجح أن تمدد حكومة إسرائيل الفترة السرية المفروضة على أحد الملفات الرئيسية في أرشيف جيشها المتعلق بالنكبة وولادة قضية اللاجئين الفلسطينيين في 1948. وهذه واحدة من الحالات التي عبّر عنها الشاعر الراحل محمود درويش بقوله «يا خوف الغزاة من الذكريات وخوف الطغاة من الأغنيات».

وقال مسؤولون إسرائيليون طلبوا عدم الكشف عن اسمائهم لصحيفة «هآرتس» إنه خلال النقاش الذي اجرته اللجنة الوزارية لشؤون مواد الأرشيف، التي تترأسها وزيرة القضاء اييليت شكيد، عرضت وزارتا الخارجية والأمن وجهتي نظر صارمتين ضد فتح الملف أمام الجمهور، بادعاء الخوف من المس بأمن الدولة وبعلاقاتها الخارجية وصورة إسرائيل في العالم. وتطرقت وجهة نظر وزارة الخارجية الى المكانة الدولية لإسرائيل وتأثير النشر على المفاوضات المستقبلية مع الفلسطينيين او على قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بمسألة اللاجئين. وجرى النقاش في أعقاب توجه جمعية حقوق المواطن الى ارشيف الجيش الإسرائيلي طالبة فتح الملف أمام الجمهور باعتبار ذلك حقا أساسيا لاسيما بعد انقضاء عقود على الأحداث التاريخية المعنية.

 

تهجير لا هجرة

ويتضمن الملف التابع لقسم التاريخ في الجيش الاإسرائيلي والذي يحمل الرقم 1975/922 – 681، الدراسة التي طلبها رئيس الحكومة دافيد بن غوريون في بداية الستينيات، بهدف الإثبات بأن قرابة مليون فلسطيني عاشوا في المدن والقرى في 1948، هربوا بإرادتهم الخاصة خلال النكبة ولم يطردهم جيش الاحتلال.

يشار الى أن المؤرخ الإسرائيلي شاي حزقاني كان قد كشف عن وجود هذا الملف قبل ثلاث سنوات. ويستدل مما كتبه أن عددا من المستشرقين الإسرائيليين كتبوا البحث بناء على طلب بن غوريون الذي سعى الى تزوير التاريخ وإحباط الضغط الأمريكي من أجل إعادة اللاجئين.

وكان بن غوريون يأمل في أن يقتنع المجتمع الدولي بأن الفلسطينيين تركوا ديارهم وأراضيهم طواعية ولم يتم طردهم بالقوة من قراهم على أيدي الجيش الإسرائيلي، كما ادعي بعد الحرب. ويبدو أن ما تريد الحكومة التكتم عليه ينسف الرواية الصهيونية التاريخية وكأن الفلسطينيين هربوا أو أن نزوحوا نتيجة طبيعية للحرب كما يجري عادة في أماكن أخرى. وهذا بالطبع يجافي الحقيقة وقد أقر بذلك عدد من المؤرخين الإسرائيليين الجدد ممن أكدوا العكس بإقرارهم أن النزوح كان سبب الحرب لا نتيجتها، بمعنى أن الصهيونية بلورت خطة منذ ثلاثينيات القرن الماضي للتطهير العرقي نفذتها عام 1948 مما أدى لتدخل الجيوش العربية.

 

التطهير العرقي في فلسطين

من أبرز هؤلاء البروفسور الإسرائيلي إيلان بابيه الذي سرد كل ذلك في كتاب عنوانه يرمز لكبد الحقيقة «التطهير العرقي في فلسطين» .ويرى بابيه أن إغلاق الأرشيف الإسرائيلي الباب أمام الباحثين طيلة عقود للحيلولة دون الاطلاع على نوعين من الوثائق. النوع الأول وفق بابيه ما يتعلق بتوثيق المذابح وجرائم الحرب المرتكبة على يد الصهيونية. ويتابع «لذا فنحن كباحثين ومؤرخين نطلع عليها من خلال وثائق الأمم المتحدة أو الروايات الشفوية».

أما النوع الثاني فهو «ملفات القرى» التي تثبت بوضوح أن الصهيونية خططت مبكرا وبالتحديد عام 1940 للتطهير العرقي في فلسطين. ويرجح بابيه أن تكون هناك ملفات عينية تتعلق بعلاقات إسرائيل مع الأردن، والموقف الأمريكي من جرائم الصهيونية عام 48 . ويضيف «على كل فإن معظم الدلائل على التطهير العرقي موجودة في مصادر متاحة ولذا فإن الإجراءات الإسرائيلية الخاصة بتمديد إغلاق الأرشيف ليست مجدية ولن تساعد في تزوير التاريخ».

 

بن غوريون يزور التاريخ

ويتضح من مكاتبات حكومية تاريخية في حينه أنه قيل مسبقا للباحثين الإسرائيليين ما الذي يجب عليهم اثباته، وهو أن العرب هربوا بتشجيع من قادتهم وبمساعدة الجيوش العربية، بينما حاول اليهود منعهم من ذلك.

وقال مسؤول إسرائيلي رفيع معقبا على «ملف النكبة» إنه «عندما يحل السلام سيكون بالامكان فتح هذه المواد امام الجمهور» .وتوضح «هآرتس» أن بن غوريون في حينه طلب إجراء بحثين، على الأقل، في موضوع اللاجئين. الأول كتبه المستشرق روني غباي، في إطار ما سمي في سنوات الستينيات «معهد شيلواح»، وتحول لاحقا الى مركز ديان في جامعة تل ابيب. واعتمد البحث على وثائق من الأرشيفات الاسرائيلية، بما فيها ارشيف المخابرات العامة «الشاباك». اما البحث الثاني فكتبه موشيه معوز، الذي كان يعمل في حينه مستشارا لرئيس الحكومة للشؤون العربية، ويعمل اليوم محاضرا كبيرا في قسم الشرق الأوسط في الجامعة العبرية واعتمد بحث معوز بشكل جزئي على بحث غباي.

 

دير ياسين

في عام 2013 بعث شاي حزقاني، المحاضر الكبير حاليا في مركز مايرهوف للدراسات اليهودية في جامعة ميرلاند، بواسطة افنير فرينتشوك، من جمعية حقوق الإنسان، برسالة الى الأرشيف العسكري يطلب فيها تحرير الملف كله ليطلع الجمهور عليه. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2013، ابلغه الأرشيف العسكري بأنه لا يمكنه فتح الملف أمام الجمهور وسيبقى سريا. وتوجه حزقاني وفرينتشوك الى المسؤول عن أرشيف الدولة يعقوب لازوبيك، الذي يملك الصلاحية العليا في الموضوع، وطالباه الأمر بفتح الملف. وادعيا أنه بما أن الملف كتب في عام 1964، في أبعد تقدير، فقد مرت الفترة القانونية، 50 عاما، التي يمكن فرض القيود خلالها. وفي يوليو/ تموز 2014 ابلغهما لازوبيك أنه بعد التشاور في الموضوع مع أرشيف الجيش، الذي يعارض فتح الملف أمام الجمهور، قرر طلب عقد جلسة للجنة الوزارية لمواد الأرشيف كي تقرر في الموضوع. لكن هذه اللجنة تجتمع مرة كل عدة سنوات فقط من أجل البت في مسائل حساسة مثيرة للجدل. وكانت آخر مرة اجتمعت فيها في عام 2008، حيث قررت في حينه مواصلة فرض السرية على ملفات متعلقة بمجزرة دير ياسين.

 

تمديد الكتمان على ملفات النكبة

وحسب قانون الأرشيف فإنه إذا اراد المسؤول عن أرشيفات الدولة تمديد السرية على مواد كان يجب فتحها أمام الجمهور، فإنه يجب الحصول على تصريح بذلك من لجنة خاصة تتألف من ثلاثة وزراء وتسمى «اللجنة الوزارية لشؤون السماح بالاطلاع على مواد الأرشيف السرية».

وتم تحديد عدة مواعيد لعقد الجلسة، لكنه كان يتم تأجيلها كل مرة، وفي 11 سبتمبر/ أيلول الجاري اجتمعت اللجنة لمناقشة طلب فتح «ملف النكبة».

وتضم اللجنة بالإضافة الى شكيد، وزيرة الثقافة ميري ريغف، التي عملت في السابق ناطقا عسكريا ومراقبة عسكرية، ووزير الطاقة يوفال شطاينتس، الذي ترأس في السابق لجنة الخارجية والأمن وكان وزيرا لشؤون الاستخبارات. وقال مسؤول إسرائيلي رفيع شارك في الجلسة، إن وزارات الأمن والخارجية والقضاء عرضت وجهات نظر سلبية جدا ترفض فتح الملف. وقد تبنت وزارة الأمن عمليا، موقف أرشيف الجيش الذي يدعي ان فتح الملف قد يؤدي الى المس بأمن الدولة، بينما عرضت وزارة الخارجية وجهة نظر تتعلق بمسألة مكانة إسرائيل في العالم وما ستواجه في المفاوضات مع الفلسطينيين او أمام قرارات مجلس الأمن الدولي التي ستناقش المسائل الجوهرية للاتفاق الدائم، كقضية اللاجئين.

 

حجب الحقيقة التاريخية

وادعى مسؤول رفيع في وزارة الخارجية أن فتح ملف النكبة للجمهور من شأنه المس بعلاقات إسرائيل الخارجية وبمكانتها الدولية، وبموقفها من قضية اللاجئين الفلسطينيين في كل مفاوضات مستقبلية حول الحل الدائم.

ولم تتخذ اللجنة في ختام اجتماعها قـرارا نهائيا وطلبت توضيحات خـطية من جهات مختلفة لم تعرب عن رأيها في الاجتماع. وحددت اللجنة ان المواد ستبقى سرية الى ان يتم تلقي وجهات النـظر المطلوبة والبت فيها.

وقال حزقاني لصحيفة «هآرتس» إنه توجد في الأرشـيفات الإسرائيلية الكثير من الملفات والوثائق المتعلقة بعام 1948، التي لم يتم فتحها أمام الجمهور، او تم فتحها في السابق وأعيد إغلاقها. وأكد أنه بتشجيع من القيادة السياسية يجري تمديد فترات منع كشف هذه الملفات وبـالتالي منع اطلاع الباحثين في إسرائيل والعالم على سرد روايـة عام 1948 بــكاملها.

 

المصدر: «القدس العربي»

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/98278

اقرأ أيضا